كل صباح

كل صباح قبل أن يكتمل شروق الشمس كانت أديلا تكنس الرصيف أمام بيتها. لم يكن ذلك واجبا بلديا ولا عادة قهرية بل تقليدا تعلمته من أمها وحافظت عليه حتى بعدما لم يعد هناك من يلاحظ هذا الفعل. كانت في الخامسة والثمانين من عمرها بجسد هش لكن حركاتها ظلت دقيقة. تكنس ببطء تجمع الأوراق والغبار وبقايا صغيرة من حياة لا تخصها وكأنها بكنسها ترتب شيئا ما في داخلها أيضا. كان بيتها آخر بيت في الشارع وما بعده لم يكن سوى الحقول. على مدى سنوات شهد ذلك الرصيف مرور أطفال في طريقهم إلى المدرسة ودراجات وعربات تسوق وجيران يتوقفون للدردشة. الآن لم يعد يمر أحد تقريبا. قليلون قليلون جدا. ومع ذلك واصلت أديلا الكنس. ما دام هناك طريق فلا بد من العناية به كانت تقول. في صباح خريفي ظهر شاب يسير بلا وجهة. كان يحمل حقيبة قديمة والإرهاق مرسوما على وجهه. توقف أمام البيت كما لو أنه وصل إلى نهاية شيء ما. صباح الخير قالت أديلا دون أن تتوقف عن الكنس. صباح الخير رد بدهشة هل يوجد نزل قريب هنا رفعت أديلا رأسها ونظرت إليه بهدوء. لا قالت لكن هناك مقعد في الظل وماء بارد إن كنت عطشانا. تردد الشاب ثم جلس. شرب الماء وتنهد كمن لم يسمح له بالتنفس منذ أيام. كان اسمه لوكاس. جاء من مكان بعيد. لم يكن يهرب من شيء محدد لكنه لم يكن يعرف إلى أين يتجه. لم تسأله أديلا أكثر. لم تكن تفعل ذلك أبدا. كانت تعرف أن القصص تأتي حين تجد أرضا ثابتة. بدأ لوكاس يمر من هناك كل صباح. أحيانا يجلس قليلا وأحيانا يساعدها في الكنس وأحيانا يكتفي بالصمت وهو يحدق في الحقول. وكانت أديلا تقدم له القهوة في فنجان مختلف كل يوم كأنها لا تريد لأي فنجان أن يعتاد عليه كثيرا. لماذا تكنسين كل يوم سألها مرة. أسندت أديلا المكنسة إلى الحائط. لأنني إن توقفت قالت فكأنني أقول للحياة لا تمري من هنا بعد الآن. ظل لوكاس يفكر في ذلك طويلا. تحولت الأيام إلى أسابيع. وجد لوكاس عملا مؤقتا في القرية المجاورة. صار يبتسم أكثر ينام أفضل ويتحدث عن خطط صغيرة. كانت أديلا تستمع بفخر لا تنطق به. في صباح ما لم تخرج أديلا لتكنس. انتظر لوكاس. نظر إلى الرصيف المغطى بالأوراق وشعر بقلق لم يعرف له اسما. طرق الباب برفق. لا جواب. وجدها جالسة في المطبخ والمكنسة إلى جوارها. بدت كأنها نائمة. وعلى الطاولة ورقة بخط مرتجف إن لم أكن هنا يوما فاكنس أنت. الطريق لا ذنب له. بكى لوكاس بصمت. ومنذ ذلك الحين في كل صباح يكنس أحدهم آخر رصيف في الشارع. أحيانا يكون لوكاس وأحيانا جارا فضوليا وأحيانا طفلا يسأل لماذا تفعل ذلك وكان لوكاس يجيب دائما لأن أحدا هنا علمني أن العناية بالطريق هي أيضا طريقة للبقاء. فهناك أشخاص لا يتركون ميراثا عظيما. يتركون أفعالا بسيطة. وطرقات تظل مفتوحة. حمد الشيخ