حماتي رفعت ايديها

 

"إنتي كبرتي الموضوع… أمي كانت متعصبة بس، وإنتي عارفة طبعها."
ضحكت ضحكة قصيرة، ناشفة زي الزجاج المكسور.
لفيت له أخيراً، وبصيت في عينه بعمق:
"لا يا أحمد… اللي كبر الموضوع مش أنا. اللي كبره هو سكوتك سنين. كل مرة كانت بتكسر فيا حتة… وإنت كنت بتقولي معلش. كل مرة كانت تهينني… وإنت تقول دي أمي. كل مرة كنت باستناك تاخد صفّي… وإنت تختار الصمت."
بلع ريقه وقال بصوت واطي:
"أنا كنت بحاول أرضي الكل…"
هزيت راسي بأسى:
"واللي بيرضي الكل… بيخسر أقرب الناس له. وأنا كنت أقرب واحدة ليك… كنت مراتك يا أحمد، مش ضيفة عندكم."
سكت.
أول مرة أشوفه فعلاً مش لاقي كلام.
قلت وأنا بسحب إيدي من إيده:
"أنا عمري ما طلبت منك تختار بيني وبين أمك… أنا بس كنت عايزاك تختار الصح. كنت عايزاك توقف جنب كرامتي… حتى لو مرة."
صوته اتهز:
"طب نصلّح… نرجع… أنا هكلمها، وهخليها تعتذر."
بصيت له نظرة طويلة… نظرة وداع مش زعل.
"اللي حصل النهاردة مش خناقة… ده كشف حساب. أنا اكتشفت إن مكاني الحقيقي في حياتك أقل بكتير من اللي كنت فاكرة."
دمعة نزلت من عينه، يمكن أول مرة أشوفها.
"إنتي كل حياتي…"
ابتسمت بحزن:
"لو كنت كل حياتك… ما كنتش سبتني لوحدي قدام كف مرفوع."
سكت الشارع حوالينا.
صوت عربية معدية… كلب بينبح بعيد… وأنا حاسة إن حياتي القديمة بتتقفل صفحة صفحة.
قلت بهدوء نهائي:
"أنا مش هطلقك دلوقتي… مش قرارات اندفاع. بس أنا هبعد. محتاجة أعرف أنا مين بعيد عنكم… بعيد عن بيت حسسني إني دخيلة."
همس:
"يعني… خلاص؟"
هزيت راسي:
"يعني لو في يوم رجعنا… هيكون لأنك بقيت راجل يحمي مراته، مش ابن خاېف يزعل أمه."
ركبت التاكسي.
قفل الباب بصوت مكتوم… كأنه ختم نهاية مرحلة كاملة.
وأنا ببص من الشباك، شفته واقف في نص الشارع، إيده لسه مرفوعة في الهوا… نفس الوضع اللي كانت أمه فيه من شوية.
بس الفرق كبير.
إيدها كانت هتنزل على وشي.
وإيده… كانت بتحاول تمسك حياة بتضيع منه.
وساعتها بس…
حسيت إن قلبي لأول مرة من سنين…
خف.