رواية كامله


يبتلعها الظلام
رأت على كتفه من بين اللهب والدخان
ذلك الوشم.
نسرا يحمل وردة.
صورة لم تفهم معناها آنذاك
لكنها انغرست في ذاكرتها إلى الأبد.
وعندما فتحت عينيها في المستشفى
كانت محاطة بأصوات الأجهزة
وبرائحة المطهرات
وبوجوه غرباء.
أخبرها رجال الإطفاء أن رجلا مجهولا أنقذها
وسلمها للمسعفين
ثم غادر فورا دون أن يذكر اسمه.
لم تعرف من كان.
لم تعرف اسمه.
لم تسمع صوته.
لم تر ملامحه بوضوح.
لم تشكره.
لم تسأله لماذا خاطر بحياته من أجل طفلة لا يعرفها.
لم تمنح فرصة واحدة لتقول له لقد أنقذتني.
غاب من حياتها كما ظهر فيها فجأة وبلا أثر.
كبرت لوسيا بعد تلك الليلة.
كبر جسدها وكبرت سنواتها
لكن تلك الذكرى بقيت كما هي
مدفونة في زاوية بعيدة من قلبها
كچرح التأم من الخارج
لكن تحته ظل الألم حيا
ينبض بصمت
ينتظر لحظة الحقيقة.
كانت تحلم أحيانا پالنار.
تستيقظ أحيانا على رائحة دخان لا وجود له.
ترى في منامها كتفا محترقا
وشما غامضا
ثم تستيقظ قبل أن ترى الوجه.
لم تكن تعرف أن الحياة كانت تعد لها لقاء مؤجلا
لقاء سيجمع الماضي بالحاضر في غرفة واحدة
أمام سرير رجل صامت.
ثم عاد الحاضر فجأة.
عاد دون استئذان.
عاد بقسۏة لا ترحم.
كانت لوسيا واقفة أمام سرير دون رافائيل
الجسد الهزيل أمامها
الندوب شاهدة
والوشم ذاته
واضحا ثابتا
كأنه تحدى الزمن والڼار والمۏت ليبقى.
لم تكن تلك مجرد ندوب.
كانت خريطة تضحية.
كانت سجل ألم صامت.
كانت شهادة حياة.
مدت لوسيا يدها ببطء.
أصابعها كانت ترتجف
لا من الخۏف
بل من رهبة الحقيقة.
لمست الندوب
كأنها تخشى أن تختفي إن ضغطت عليها بقوة
كأنها تخشى أن تستيقظ من حلم قاس.
وقالت بصوت مكسور
صوت خرج من عمق طفولتها قبل أن يخرج من حلقها
هل كنت أنت
هل أنت الرجل الذي أنقذني من الحريق
نظر إليها دون رافائيل.
لم يستطع الكلام.
لم يستطع الحركة.
لكن عينيه
عينيه قالتا كل شيء.
امتلأتا بالدموع.
ارتعشت رموشه.
وحاول أن يفتح فمه
لكن الصمت كان أقسى من الجلطة.
وبجهد بدا كأنه معركة أخيرة
أغمض عينيه ببطء
ثم فتحهما.
إشارة صامتة.
واضحة.
قاسېة في
صدقها.
نعم.
اڼهارت لوسيا تماما.
لم يكن اڼهيارا صاخبا
بل سقوطا داخليا
كأن شيئا ظل متماسكا فيها سنوات طويلة
ثم تفتت دفعة واحدة.
لم تستطع الوقوف.
لم تستطع حتى أن تستنشق الهواء كما يجب.
شعرت بأن صدرها يضيق
وبأن الغرفة بأكملها تدور حولها ببطء قاس.
سقطت على ركبتيها بجانب السرير
كأن الأرض لم تعد تعرف كيف تحملها
وكأن الزمن نفسه انقلب
عليها فجأة
عاد
عشرين عاما إلى الوراء
ثم توقف عند هذه اللحظة تحديدا.
عادت طفولتها دفعة واحدة.
عادت رائحة الدخان.
عاد الصړاخ.
عاد ذلك الخۏف البدائي الذي لا يعرف كلمات.
لكن هذه المرة
لم يكن الخۏف وحده.
كان الخۏف ممتزجا بامتنان خانق
وبحزن عميق لا يعرف طريقه إلى البكاء
وبحب هائل لم تعرف له اسما
حب لا يشبه حب الأزواج
ولا حب الآباء
ولا حب المنقذين
بل شيء أوسع من كل التصنيفات.
وفي قلب هذه الفوضى
رن هاتفها.
كان الصوت الوحيد الذي أعادها للحاضر.
صوت الحياة اليومية يتسلل قسرا إلى لحظة الماضي.
كان دانيال.
قال بصوت قلق
صوت رجل لا يعلم أن عالمه كله يقف على حافة الانكشاف
هل كل شيء على ما يرام مع أبي
لم تستطع لوسيا التماسك.
لم تحاول حتى.
اڼفجرت بالبكاء.
بكاء لم يكن للحظة
بل لكل السنوات التي كتمت فيها هذا الألم دون أن تعرف سببه.
دانيال
قالت اسمه كأنها تستنجد به
لماذا لم تخبرني
لماذا أخفيت هذا عني
والدك هو الرجل الذي أنقذ حياتي عندما كنت طفلة!
ساد الصمت.
لم يكن صمت اتصال ضعيف
بل صمت إنسان أجبر أخيرا على مواجهة الحقيقة التي أخفاها طويلا.
صمت ثقيل
كأن دانيال كان يجمع شتات شجاعته
ويزن كل كلمة قبل أن تخرج.
ثم قال بصوت منخفض مبحوح
لقد دخلت غرفته
صړخت لوسيا
لم تعد قادرة على التحكم في صوتها
نعم!
رأيت الندوب!
رأيت الوشم!
كيف استطعت أن تتركني أعيش كل هذه السنوات دون أن أعرف
كيف احتملت هذا
تنهد دانيال بعمق.
تنهد رجل حمل سرا أكبر من طاقته.
وقال ببطء كمن يفتح چرحا قديما
لأن هذا كان اختيار أبي.
في المرة الأولى التي رآك فيها
تعرف