مرات ابويا


بيموتش حتى لو الناس بتمشي وإن أوقات الحقيقة بتيجي في وقتها المناسب وإن أقوى حاجة ممكن أعملها مش إني أفتش في الألم لكن إني أبني مستقبل يشرف الاتنين اللي ادوني اسمي وحياتي ومن ساعتها وأنا كل ما أحس بضعف أرجع أقرأ آخر سطر في الجواب السطر اللي بيقول أنا فخور بيكي مهما حصل وأبتسم وأكمل طريقي.
في عيد ميلادي العشرين شعرت برغبة قوية في ملامسة أي شيء يخص أبي. ميريديث كانت خارج المنزل مع إخوتي الصغار. صعدت إلى العلية حيث يوجد صندوق خشبي قديم لم تفتحه ميريديث أمامي أبدا. كان الصندوق يفوح برائحة خشب الأرز المختلطة بعطر أبي القديم. قلبت في الصور والشهادات حتى وصلت إلى جاكيت جلدي كان أبي يرتديه في معظم صوره. وضعت يدي في الجيب الداخلي فشعرت بملمس ورقة مطوية بعناية.. ورقة صمدت لعشرين عاما لتخبرني ما لم يجرؤ أحد على قوله.
فتحت الورقة كان خط أبي متسارعا وكأنه يكتب تحت ضغط رهيب. بدأ الجواب بكلمات هزت كياني ابنتي الحبيبة.. الليلة هي أصعب ليلة في حياتي. الطبيب أخبرني أن قلبي قد يتوقف في أي لحظة وأن العملية التي سأجريها غدا نسبة نجاحها لا تتعدى ال 10. أنا لا أخاف من المۏت أنا أخاف عليك من الضياع بعدي. تجمدت في مكاني.. عملية طبيب لقد قالوا لي طوال حياتي إنها كانت حاډثة عربية مفاجئة! لماذا كذبت ميريديث
أكملت القراءة والدموع تغشي بصري ميريديث تعرف كل شيء. لقد أخبرتها بمرضي قبل أن نتزوج بشهر واحد ومنحتها حرية الاختيار فكان ردها أن طلبت مني الزواج فورا وتبنيك رسميا لكي تصبح أمك أمام القانون إذا حدث لي مكروه. لقد وافقت ميريديث أن تبدأ حياتها كأرملة محتملة ومسؤولة عن طفلة يتيمة فقط لكي لا تشعري باليتم مرتين. هنا بدأت الصورة تتضح لكن السؤال ظل قائما لماذا أخفوا عني حقيقة مرضه وصوروها كحاډث عابر
في الجواب شرح أبي السبب طلبت من ميريديث أن تعدني بشيء واحد إذا لم أنج فلا تخبريك أبدا أنني كنت مريضا. لا أريد لآخر ذكرياتك عني أن تكون أجهزة المستشفى والأنابيب وضعفي أمام المړض. أريدك أن تذكريني وأنا أحملك فوق الرخام قويا ضاحكا وكأن رحيلي كان مجرد صدفة من صدف الحياة وليس معركة خسرها جسدي. ميريديث لم تكن تخفي عني الحقيقة لتخدعني بل كانت تنفذ الوصية الأخيرة لأبي لكي تحمي طفولتي من كابوس المړض.
سمعت صوت مفاتيح ميريديث في الباب. نزلت إليها وأنا أمسك بالجواب والورقة ترتعش في يدي. نظرت إلي وبمجرد أن رأت الجاكيت القديم في يدي سقطت الأكياس منها. لم تقل كلمة واحدة بل ارتمت على أقرب كرسي وأجهشت بالبكاء. قلت لها بصوت مخڼوق لماذا يا أمي لماذا تحملت كل هذا الحمل وحدك ل 14 سنة كنت تستطيعين أن تقولي إنك ضحيت بشبابك من أجل وصية أبي.
رفعت ميريديث رأسها وقالت بابتسامة وسط الدموع يا بنتي لو كنت أخبرتك لكنت نظرت إلي طوال عمرك بعين الشكر والامتنان وأنا لم أرد ذلك. كنت أريدك أن تنظري إلي ك أم حقيقية تحبينني لأنني أحبك لا لأنني وفيت بوعد لزوجي الراحل. البطولة ليست في فعل الشيء بل في فعله دون أن يعرف أحد كم كان مؤلما. اكتشفت أن ميريديث رفضت عروض زواج كثيرة في أول سنوات ۏفاته فقط لكي لا يدخل غريب حياتنا ويؤثر على نفسيتي حتى اطمأنت تماما أنني كبرت.
في تلك الليلة لم أجد فقط إجابة
لسؤالي أنا شبه مين. اكتشفت أن ملامحي قد تكون من أبي وأمي الحقيقية لكن روحي نحتت بيد ميريديث. 
بينما كانت ميريديث تهدأ من بكائها فتحت درجا سريا في مكتبها وأخرجت دفاتر قديمة. هناك شيء آخر لم يذكره أبوك في الجواب يا بنتي. اكتشفت أن أبي بسبب تكاليف علاجه الباهظة قبل ۏفاته كان قد استنفد كل مدخراته بل وترك ديونا. ميريديث التي كانت في مقتبل شبابها عملت في وظيفتين إضافيتين لسنوات بعد ۏفاته لتسدد تلك الديون دون أن أشعر بنقص. كانت تقول لي إن المال من ميراث بابا بينما كانت هي من تصنع ذلك الميراث بعرقها ليل نهار لكي لا أشعر يوما بكسرة النفس أو الاحتياج.
حكت لي ميريديث عن ليلة في عيدي ميلادي العاشر عندما سألتها ببراءة ماما هو بابا سابني ليه هو مكنش بيحبني كفاية عشان يخلي باله وهو بيسوق. قالت ميريديث في تلك اللحظة طعنتني كلمتك في قلبي. كان من السهل جدا أن أقول لك الحقيقة أن أقول إن أبيك كان يتشبث بالحياة من أجلك حتى آخر نفس لكنني تذكرت وعدي له. فابتلعت غصتي وقلت لك بابا بيحبك جدا بس ربنا اختاره عشان يكون ملاكك الحارس من السما. دخلت غرفتي وبكيت لساعات لأنني جعلتك تظنين ولو للحظة أنه أهملك فقط لأحمي صورته الأسطورية في خيالك.
عندما عاد إخوتي الصغار أبناء ميريديث من زوجها الثاني ورأونا نبكي ارتموا في حضننا. نظرت إليهم وأدركت أن ميريديث زرعت فيهم حبي وكأنني قطعة منهم. أخبرتني ميريديث أنها عندما وافقت على الزواج مرة أخرى كان شرطها الأول والوحيد لزوجها الجديد ابنتي الكبرى هي خط أحمر هي ابنة قلبي قبل أن تكون ابنة زوجي
الراحل وإذا لم تتقبلها كابنتك فلا مكان لك في حياتنا. لقد حاربت ميريديث في كل الجبهات لتضمن لي بيتا دافئا لا أشعر فيه أنني غريبة أو عبء.
نظرت إلى ميريديث وقلت لها سامحيني يا أمي.. لسنوات كنت أحيانا أقسو عليك في مراهقتي كنت أقول في نفسي إنك لست أمي الحقيقية ولن تفهميني أبدا. لم أكن أعرف أنك كنت تدفعين ثمن سعادتي من عمرك وراحتك وصمتك. ابتسمت ميريديث وهي تمسح دموعي وقالت الأمومة ليست في شهادة الميلاد يا حبيبتي الأمومة في السهر وفي الخۏف وفي الأسرار التي نحملها للقبر لكي ينام أبناؤنا بسلام. أنا لم أفعل هذا كواجب فعلته لأنك صرت دنيتي تماما كما كنت لوالدك.
قررنا في تلك الليلة أن نغلق صندوق الأسرار الحزينة للأبد ونفتح صفحة جديدة مبنية على الصدق المطلق. أدركت أن الجواب الذي تركه أبي لم يكن فقط ليخبرني بالحقيقة بل كان رسالة شكر متأخرة لميريديث وكأنه كان يعلم أنني في سن العشرين سأكون ناضجة بما يكفي لأقدر حجم ما فعلته من أجلي. رفعت رأسي للسماء وقلت في سري شكرا يا أبي لأنك اخترت لي أعظم أم في العالم وشكرا يا ميريديث لأنك قبلت المهمة وأتممتها بأجمل وجه.