الضړبة الهادية بقلم منال علي

 

​ماكنوش يعرفوا إن في خلال تلات أيام بس، هيوصل ظرفين شيك جدًا من مكتب المحامي.. وفي اللحظة اللي هيفتحوهم فيها، كل قصور الرمل اللي بنوها في خيالهم هتتهد فوق دماغهم.

​ولأول مرة من يوم ما بابا فارقنا.. كنت أنا اللي معايا "نقلة الشطرنج" الأخيرة.

في اللحظة دي، مكنتش قادرة حتى أخد نفسي.. العسل كان عمال يسيل من الفرشة وينقط في الصينية، وكلامهم عمال يرن في ودني ويهد في قلبي هدد.

​300ألف جنيه.. بقلم منــال عــلي 

​كانوا بيتكلموا بمنتهى البجاحة عن الإصلاحات اللي شيلتها لوحدي.. سقف البيت اللي كان بيخر ونزلته على صبة جديدة، وأسلاك الكهرباء اللي كانت هتحرقنا وغيرتها كلها، والرطوبة اللي كانت واكلة البدروم وعالجتها. كل إجازة كنت بقضيها وسط العفار والتراب ومطحونة مع الصنايعية، في الوقت اللي "إنجي" كانت بتقضيه في مراسي، وأمي واقفة تتفرج عليا وتنتقد "هوس التوضيب" اللي عندي.. وهما في الحقيقة كانوا مستنييني أخلص عشان يبيعوا "على نظيف".بقلم منــال عــلي 

​قفلت الشباك بشويش قوي.. مكنتش عاوزاهم يحسوا بأي حركة.

​ورجعت كملت تتبيل اللحمة ولا كأن في حاجة حصلت.

​لأن الحقيقة المرة.. إنهم كانوا فاكرين إني "عبيطة" ومش فاهمة حاجة.

​عدى يوم العيد بسلام.. كنت ببتسم في وشوشهم وأنا جوايا ڼار، بس كنت مستمتعة وأنا شايفاهم بيخططوا لمستقبل هما أصلاً مش هيملكوه. إنجي كانت ماسكة الموبايل وبتفرّج أمي على صور شقق في التجمع، وبتقول لها: "يا ماما البيت ده هيجيب مبلغ محترم، هنعيش برنسيسات". وأمي تهز راسها وتقول: "يا ريت بس أختك تخلص السيراميك اللي قالت عليه".

​كنت بضحك في سري وأنا بقول: "اشبعوا بالأحلام.. لسه القلم مرفعش".

​بعد تلات أيام بالظبط.. الجرس ضړب.

كان مندوب من مكتب المحامي، معاه ظرفين "كريمي" شيك جداً، بس اللي جواهم كان يقطع النفس.

​إنجي فتحت الجواب وهي بتقول: "ده إيه ده؟ إعلان قضائي؟"

أمي وقفت قلقانة: "في إيه يا بت؟"

​ملامح إنجي بدأت تتغير.. الضحكة اختفت، ووشها بدأ يصفرّ، وبعدين يزرقّ.

"إيه ده؟! المحامي كاتب إن نصيبي في البيت اتخصم منه 300الف جنيه مصاريف توضيب؟! وكمان في إنذار بالحق في الشراء؟ يعني هي هتاخد البيت برخص التراب؟"

​بصيت لهم بمنتهى البرود وأنا بشرب القهوة بتاعتي:بقلم منــال عــلي 

"تؤ تؤ.. مش برخص التراب يا إنجي.. ده بالعدل. فاكرة الـ 300الف جنيه اللي كنتِ مستنياني أخلصهم عشان تبيعي؟ أنا وثقتهم مليم مليم.. وبالقانون، دي ديون على البيت لازم تسددوها لي قبل ما تلمسوا قرش واحد من الورث."

​أمي صوتها كان بيترعش: "انتي بتعملي فينا كدا ليه يا بنتي؟ ده احنا أهلك!"

رديت عليها بنظرة عمري ما هنساها:

"أنا عملت كدا لما سمعتكم من ورا الشباك بتخططوا تبيعوا البيت اللي شقيت فيه وتوزعوا فلوسي بينكم.. أنا كنت البنت الشقيانة التعبانة في ورديات التمريض، بس دلوقتي أنا اللي معايا "نقلة الشطرنج" الأخيرة.. والبيت ده مش هيتباع، البيت ده بقى ملكي أنا." بقلم منــال عــلي 

​لأول مرة من يوم ما بابا ماټ، حسيت إني أخدت حقي تالت ومتلت.. وسبتهم واقفين في الصالة بيضربوا أخماس في أسداس، والجوابات في إيديهم زي الحكم بالإعدام على أحلامهم المزيفة.

تمت.