الدفء الذي أنقذ حياتين إعادة صياغه ادبيه الكاتبه نرمين همام


حين فتح المصعد في الطابق العلوي دخلت مكتبا واسعا تطل نوافذه الكبيرة على المدينة. خلف مكتب خشبي عريض جلس رجل ذو شعر فضي ملامحه متعبة وكأنها تحمل ثقلا أعمق من مجرد ضغط العمل.
كان إدوارد كينغستون المدير التنفيذي الاسم الذي يذكر في المبنى بخشوع.
قال بهدوء وهو يشير إلى المقعد
اتفضلي يا مدام بينيت إنت أنقذتي حياة حفيدي.
كان صوته ثابتا لكن الحزن كان يلمع خلف عينيه. أخبرني أن ابنه دانيال كان متزوجا من شابة تدعى غريس وأنهما رزقا بطفل منذ شهر فقط. بعد الولادة أصيبت غريس باكتئاب حاد شعرت فيه بالإهمال والوحدة والعجز. ثم اكتشفت خېانة زوجها بينما كانت لا تزال تتعافى في المستشفى.
كانت الخېانة قاصمة.
قال إدوارد وصوته انكسر قليلا
في ليلة خرجت من البيت شايلة الطفل. وصلت لموقف الأوتوبيس ده وبعدها ما قدرتش تكمل. سابته هناك وهي فاكرة إن حد أحن منها هيلاقيه.
لو لم أمر أنا في تلك اللحظة لما نجا الطفل أوليفرمن صقيع الصباح.
قلت له إنني لم أفعل سوى ما يفعله أي إنسان لكنه هز رأسه قائلا
لأ مش أي حد بيقف. ومش أي حد بيهتم.
سألني عن حياتي. وحين علم أنني أرملة أعمل وظيفتين وأربي ابني وحدي تغير شيء في نظرته. لم يكن شفقة بل احتراما خالصا.
بعد أسبوع وصلني خطاب.
كانت شركته تعرض التكفل الكامل بدراستي المهنية في إدارة الأعمال. ومعه رسالة بخط يده
اعادة صياغه ادبيه الكاتبه نرمين عادل همام
إنت أنقذتي حفيدي اسمحي لي أساعدك تنقذي نفسك.
في تلك الليلة بكيت لا حزنا بل لأن شعورا غريبا عاد إلي بعد غياب طويل
الأمل.
كان التوفيق بين الدراسة والعمل وتربية إيثان
مرهقا لكن للمرة الأولى منذ ۏفاة مايكل صار لدي مستقبل أسير نحوه. كنت أسهر فوق الكتب أحيانا يغلبني النعاس وأحيانا أبكي بصمت حين تثقل الذكريات لكنني واصلت.
لم أعد وحدي صار هناك من يعتمد علي. في الحقيقة اثنان.
كان إدوارد يتواصل معي باستمرار لا بضغط بل باهتمام أبوي هادئ. تحدثنا عن الفقد والمسؤولية والفرص الثانية. ورأيت فيه ليس مجرد مدير ثري بل رجلا عاش طويلا بما يكفي ليفهم معنى الندم.
حين أنهيت البرنامج بتفوق فاجأني بترقيتي إلى مديرة مركز رعاية الأطفال الجديد الذي أنشأته شركته لدعم الآباء العاملين أمثالي.
لم أصدق الأمر. انتقلت من تنظيف ممرات المبنى إلى امتلاك مكتب خاص داخله.
وفي كل صباح كنت أدخل وأنا أمسك يد إيثان بينما يضحك أوليفر في عربته. كبر الصغيران معا بأمان وفرح. أما غريس فبفضل العلاج ودعم عائلتها بدأت تتعافى ببطء تزور أوليفر أسبوعيا وتعيد بناء نفسها قطعة قطعة. وكان إدوارد يدعمها بصمت وصبر بلا حكم ولا استعجال.
في أحد الأيام ونحن نراقب الطفلين يلعبان في غرفة غارقة بالضوء قال إدوارد
إنت ما أنقذتيش أوليفر بس إنت رجعتي عيلتي لبعض.
نظرت إليه وللمرة الأولى منذ زمن طويل استطعت أن أقول بثقة
وإنت اديتني فرصة أعيش من جديد.
في الخارج بدأ الثلج يتساقط بهدوء تماما كما في اليوم الذي تغير فيه كل شيء.
لكن هذه المرة كان هناك دفء وضحك وشيء يشبه السلام.
كل ذلك لأن شخصا واحدا توقف واهتم.
الرحمة قد تغير حياة كاملة. تمت