سبع سنوات تسأل عن حساب «غير موجود»…


حيثما كان
أنا هنا لم أنس ولم أستسلم.
كل شهر.
دون استثناء.
سبع سنوات كاملة.
كنت أذهب سواء أمطرت السماء
أو جف المطر وبقي الألم.
أذهب حين تتورم قدماي من الوقوف الطويل.
وحين تؤلمني يداي من الغسل.
وحين يوقظني البرد قبل الفجر
وحين ينهكني التعب فأفكر للحظة واحدة فقط
ما الجدوى
ثم أسمع صوته في رأسي
هادئا واثقا كما كان دائما
فأغلق باب الشك وأمضي.
إلى أن جاء يوم ثلاثاء
يوم لم يشبه ما قبله.
دخلت البنك كعادتي.
الساعة التاسعة تماما.
الملف الأزرق تحت ذراعي.
والقلب مثقل لكنه ثابت.
في تلك المرة لم أكن أنا التي لاحظت التغيير أولا.
كان هو.
المدير الجديد.
رآني من خلف زجاج مكتبه.
عرفت ذلك من الطريقة التي توقفت بها عيناه علي
ليس كما يتوقف نظر موظف على زبون معتاد
بل كما يتوقف نظر إنسان على تفصيل غير متوقع
شيء لا يفترض أن يكون هناك.
قال بصوت منخفض لكنه حاد
أهذه المرأة مرة أخرى من سمح لها بالدخول
لم أسمع الجملة
لكنني شعرت بها.
بعض الكلمات تحس قبل أن تسمع.
طلب اسم ابني.
دانيال أورتيث راميريث.
وعندما كتبه في النظام
تغير كل شيء.
رأيت لون وجهه ينسحب.
رأيت يده تتوقف فوق لوحة المفاتيح.
رأيت ارتباكا لم أره في أي مدير قبله.
لم أكن أعلم في تلك اللحظة
لكنني كنت قد لمست خيطا محظورا.
فتحت بابا لم يكن مسموحا لأحد أن يطرقه.
حساب مقيد بتدقيق داخلي.
ملف مغلق بأمر خاص.
ومنع صريح من إبلاغ العامة.
في ذلك اليوم لم يجبني أحد.
لم توجه إلي الأسئلة المعتادة.
لم يطلب مني الجلوس أو الانتظار.
لم أسمع صوت المفاتيح وهي ټضرب بعصبية كما اعتدت طوال سبع سنوات.
ساد صمت ثقيل صمت لا يشبه الصمت الذي عرفته من قبل.
كان صمتا مرتبكا حذرا كأن المكان نفسه أدرك فجأة أنه أخفى شيئا أطول مما ينبغي.
ثم جاء القرار سريعا جافا بلا تبرير
لا
تسمحوا لها بالدخول مرة أخرى.
لم يقال القرار لي مباشرة
لكنني شعرت به وهو يهبط
على المكان
شعرت به في تغير الوجوه
وفي العيون التي لم تعد تجرؤ على النظر نحوي.
خرجت في ذلك اليوم
لا وأنا مهزومة
ولا مکسورة
بل وأنا متيقنة أن شيئا ما قد اهتز أخيرا في العمق
أن الجدار الذي اصطدمت به سبع سنوات لم يعد صلبا كما كان.
كنت أعرف هذا الإحساس.
هو الإحساس ذاته الذي يسبق انكشاف الحقيقة
حين تشعر أن الصمت بدأ يتصدع
وأن ما خبئ طويلا بدأ يضيق على نفسه.
وفي الزيارة التالية
لم أصل وحدي.
دخلت هذه المرة بخطوات أهدأ
أبطأ
لكن أثقل.
كأنني أحمل على كتفي ثقل سبع سنوات كاملة دفعة واحدة
كل سؤال
كل نظرة استخفاف
كل ابتسامة متعالية
كل مرة قيل لي فيها لا يوجد شيء.
كان معي رجل يرتدي بدلة داكنة
لا يتكلم كثيرا
ولا يحتاج إلى رفع صوته
فحضوره وحده كان كافيا ليفرض الصمت.
ومعي امرأة ذات نظرة ثابتة
نظرة لا تعرف التردد
تحمل حقيبة جلدية
وتحمل معها يقينا لا يقبل المساومة.
وكان معنا ملف أسود مختوم.
لم يكن فيه رجاء.
ولا استعطاف.
ولا طلب.
كان فيه شيء واحد فقط الحقيقة.
قلت بهدوء
وبنبرة لم أعرفها في نفسي من قبل
نبرة خالية من التعب
خالية من التوسل
صباح الخير اليوم جئت وأنا لست وحدي.
تقدمت المرأة خطوة واحدة
وقالت بوضوح لا يحتمل اللبس
الأستاذة فيرونيكا سالغادو من نيابة مكافحة الفساد.
ثم قال الرجل بصوت محسوب لا يزيد ولا ينقص
الأستاذ راؤول ميندوزا محام.
لم أرفع صوتي.
لم أجادل.
لم أطلب شيئا.
لم أعد مضطرة إلى ذلك.
فتحت ملفي الأزرق.
ذلك الملف الذي سخروا منه سنوات طويلة.
ذلك الملف الذي حسبوه فارغا
الذي ظنوا أنه مجرد أوراق امرأة عنيدة لا تعرف متى تتوقف.
قلت فقط
الآن لنسأل السؤال كما يجب.
في غرفة مغلقة
بعيدا عن العيون الفضولية
وبعيدا عن الواجهات اللامعة
بدأت الحقيقة تخرج.
لم تخرج الحقيقة دفعة واحدة.
لم تصرخ.
لم ټنفجر كما تفعل الفضائح في الأخبار.
بل انسلت ببطء
كما ينسل الألم القديم من تحت الجلد حين ېلمس مكانه للمرة الأولى بعد سنوات.
قطعة بعد
قطعة.
ملفا