جواب من عجوز

أنا اسمي ياسين، عندي 21 سنة، طالب في تالتة هندسة في القاهرة، وزي أي شاب كحيان بيحاول يسند نفسه ومصاريف كليته، كنت بشتغل أي شغلانة تقابلني.
دروس خصوصية، شفتات في كافيه، أشيل كراتين، أقضي طلبات.. أي حاجة تساعدني أفضل في الكلية وألاقي لقمة آكلها.
وفي يوم وأنا بقلب في جروب شغل على الفيسبوك، لقيت إعلان لواحدة ست كبيرة عايشة لوحدها في بيت قديم في حارة ضيقة في السيدة زينب، محتاجة حد ينضفلها البيت.
المنطق بيقول إن الأجر مكنش واو، بس بالنسبة لي كان هيفرق.
الست دي كان اسمها الست هانم.
أول مرة خبطت على بابها، مكنتش مستعد للي هشوفه.
كانت باينة ضعيفة جداً لدرجة توجع القلب. جسم نحيف، شعر أبيض زي التلج، وإيدين بتترعش وهي ماسكة العكاز وكأنه هو اللي شايلها مش العكس. بيتها كان صغير، ضلمة، وكل حاجة فيه ريحتها زمن فات. راديو قديم مركون على رف، صور باهتة لعيلتها متعلقة معوجة على الحيطة، وسرير خشب قديم بيزيق مع كل حركة.
قالت لي إن عندها روماتيزم وضغطها دايماً عالي، والمشي عليها صعب، وعشان كده محتاجة حد يجيلها مرة في الأسبوع يساعدها في الترويق.
الشغلانة كانت بسيطة. أكنس الأرض، أنفض العفش، وأغسل شوية مواعين.
وعدتني إنها هتديني 200 جنيه في كل زيارة.
بالنسبة لطالب زيي، ال 200 جنيه دول مكنوش فكة، دول كانوا تمن المواصلات والأكل، وكانوا بيخلوني أعرف أتنفس كام يوم زيادة.
فوافقت طبعاً.
بس بعد كام زيارة، بدأت ألاحظ حاجات مقدرتش أغمض عيني عنها.
ثلاجتها كانت دايماً فاضية. بيضتين، شوية خضار دبلانين، وأحياناً شوية رز وصلصة وبس.
سألتها مرة هي ليه عايشة كده؟
ابتسمت بۏجع وقالت لي إن ولادها عايشين بعيد ومش عايزة تشغل بالهم ولا تتقل عليهم.
الرد ده فضل معلم جوايا.
فعشان كده، بعد ما كنت بخلص تنضيف، بقيت بقعد وقت أطول. كنت بنزل السوق أجيب لها حتة لحمة أو سمك على قد ما أقدر، وأدخل المطبخ أطبخ لها أكلة سخنة وليها طعم.
كانت بتفرح قوي بالحكاية دي.
كل مرة كنت بحط قدامها طبق شوربة أو خضار سخن، عينيها كانت بتلمع لدرجة تخلي البيت القديم الكئيب ده ميبقاش وحيد.
ساعات ۏجع المفاصل كان بيزيد عليها لدرجة إنها متبقاش قادرة تقف، وفي الأيام دي كنت باخدها بنفسي على المستشفى الحكومي وأقعد معاها بالساعات لغاية ما تصرف الدوا بتاعها.
وفي يوم وإحنا خارجين من المستشفى، مسكت إيدي بالراحة وقالت لي بصوت واطي إنت بتفكرني بابني الصغير قوي، كان حنين زيك كده.
مكنتش عارف أرد أقول إيه.
يمكن عشان كنت سامع الۏجع اللي ورا كلامها، أو يمكن عشان كنت عارف شكل الوحدة وهي بقالها سنين ساكنة في البيت ده.
وفضلت أساعدها.
أسبوع ورا أسبوع.
شهر ورا شهر.
والحقيقة إنها... عمرها ما دفعت لي مليم.
ولا مرة.
دايماً كان عندها حجة. الأسبوع الجاي.. لما أصلح حاجة باظت.. لما المعاش