لما كان عندي اربع سنين بقلم زيزي

لما كان عندي ٤ سنين، أمي سابتني في الكنيسة.
مش قدام الباب ولا في لحظة ضعف أو فقر لأ، جوا الكنيسة نفسها. على دكة خشب متلمعة تحت شبابيك ملونة وصور قديسين، ونور الشموع الصفراء الهادي.
فاكرة رجلي الصغيرة وهي مرفوعة مش واصلة الأرض. فاكرة ريحة الشمع وكتب الترانيم القديمة. فاكرة أمي وهي واطية قدامي بتظبط ياقة الجاكيت الأزرق بتاعي كأني رايحة حفلة في المدرسة مش كأنها بتمسحني من حياتها.
قالتلي
استني هنا ربنا هيخلي باله منك يا مريم.
وبعدين قامت ومشيت.
إيدها في إيد أبويا حسن وأختي الكبيرة نهى معاهم ماشيين سوا كأنهم لسه عيلة واحدة وأنا قاعدة لوحدي، مصډومة لدرجة إني معرفتش حتى أعيط.
فضلت باصّة عليهم شوفت أمي سعاد بصّتلي مرة أخيرة وكانت بتبتسم.
بتبتسم.
باب الكنيسة التقيل اتفتح، دخل نور الشتا واختفوا.
ومن هنا بدأت حياتي الحقيقية.
راهبة لقتني الأول بعدها أب كاهن وبعدها أخصائية اجتماعية. أهلي ما سابوش حتى ورقة لا اسم ولا سبب. ولحد ما عرفوا أنا مين، كانوا اختفوا خلاص. سافروا وسيبوا وراهم ديون ورقم تليفون مقطوع وبنت صغيرة واضح إنهم قرروا إنها ملهاش لازمة.
قعدت ٦ شهور في رعاية مؤقتة لحد ما ست اسمها أمينة هارت أخدتني.
كانت عندها ٥٧ سنة، أرملة، بتعزف بيانو في الكنيسة، وإيديها بتوجعها من الروماتيزم. بيتها مليان كتب وريحتها دايمًا لافندر. ماكانش عندها فلوس كتير وما بتحبش الدراما بس كان عندها حاجة أهلي الحقيقيين ماكانوش عندهم
الثبات.
فضِلت.
وبقت أمي بكل معنى الكلمة. كانت بتحضرلي الأكل، تحضر اجتماعات المدرسة، تضفر شعري بطريقة مش مظبوطة بس بحب وكانت بتقوللي الحقيقة حتة حتة على قد ما أستحمل.
كانت بتقول في أهالي بتمشي عشان مكسورين وفي أهالي بتمشي عشان قاسيين وغالبًا بيمشوا عشان نفسهم، مش عشان عيالهم.
كبرت وبنيت حياتي.
ذاكرت كويس، واخدت منحة لكلية صغيرة ورجعت تاني لنفس الكنيسةمش عشان بدور على الماضي، بس عشان المكان ده كان البداية اللي اتحولت لنجاة.
لما بقي عندي ٢٤ سنة، اشتغلت منسقة خدمات في الكنيسة. بنظم حملات أكل، بساعد عائلات في الورق، بمسك برنامج الأطفال يوم الأحد، وبعزف بيانو في القداس الصبح لما إيدين أمينة توجعها.
ما كانتش حياة فخمة
بس كانت حلوة.
لحد يوم مطر في أكتوبر بعد ٢٠ سنة من اليوم اللي سابوني فيه باب الكنيسة اتفتح.
ودخلوا أمي سعاد وأبويا حسن وأختي نهى.
كبروا طبعًا وشهم تخن شوية لبسهم أحسن مما توقعت بس أنا عرفتهم فورًا.
بصوا عليا مباشرة.
وأمي قالتوعنيها مليانة دموع كأنها متحضرة قبلها
إحنا أهلك وجينا ناخدك معانا يا مريم.
في لحظة الكنيسة كلها اختفت.
رجعت بنت عندها ٤ سنين.
صغيرة متجمدة بتبص للناس اللي سابوها وراجعين دلوقتي يقولوا إنها بتاعتهم.
بس فجأة صوت أمينة جه في دماغي كأنه إيد على كتفي
في ناس ما بترجعش عشان بتحبك بترجع عشان محتاجة حاجة.
وبصيت لهم وعرفت فورًا
إنهم محتاجين حاجة دلوقتيوقفت مكاني وبصيت