حين همست ابنتي في الظلام أبي أنا مازلت حية


يبقى ومن يختفي ومن يبدو قويا ومن يظهر محطما حان الوقت لنكتب قصتنا نحن كما نريدها لا كما أرادوها لنا.
تقدمت خطوة حتى كادت أطراف حذائي تلامس الحافة الأخيرة من الرصيف.
مدت كلوي يدها الصغيرة ووضعت أصابعها فوق أصابعي كأنها تريد أن تخفف عني ثقل القرار أو تشاركني حمله.
للحظة تداخل صوت الموج مع خفقات قلبي ومع الذكريات التي تدافعت برأسي غرفة صغيرة مغلقة عليها أكواب الشاي التي كادت تقتلني ببطء نظرات الخېانة على وجوه ظننتها سندي ورجفة صوتها تلك الليلة وهي تقول أبي أرجوك لا تدعهم يجدونني.
رفعنا أيدينا معا.
فتحنا أصابعنا في اللحظة نفسها.
سقطت القلادتان في الهواء بيننا لمعتا لمعة خاطفة تحت الضوء البرتقالي ثم ارتطمتا بسطح الماء بصوت صغير بسيط لكنه بالنسبة لنا كان يشبه إغلاق باب ضخم على الماضي كله.
دوائر متموجة انتشرت حول نقطة السقوط واتسعت ثم ذابت مع أمواج البحر حتى اختفى كل شيء كما لو أن القلادتين لم تكونا هنا يوما.
بقينا واقفين طويلا بلا كلام.
لم تكن هناك حاجة للكلمات فالصمت الذي التف حولنا لم يكن صمت حزن هذه المرة بل صمت بداية جديدة مثل الصفحة البيضاء قبل أول سطر.
لم نعد كما كنا قبل الحريق
ولا قبل الخېانة
ولا قبل تلك الليلة التي تسللت فيها ابنتي المختطفة إلى مكتبي وهمست بصوت مبحوح أبي أرجوك لا تدعهم يجدونني.
تغير كل شيء في أعماقنا.
تعلمت أن الثقة العمياء قد ټقتل صاحبها وأن الأسرة ليست دائما من يجمعنا بهم الډم فقط بل من يختار أن يقف إلى جوارك عندما يصبح العالم كله ضدك.
وتعلمت كلوي أن النجاة ليست مجرد البقاء على قيد الحياة بل أن تستعيد روحك بعد أن حاولوا سحقها.
في هذا المكان الجديد بعيدا عن المدينة بعيدا عن الشركة بعيدا عن الشوارع التي تحمل آثار خطواتنا القديمة
بدأ شيء يشبه الحياة يعود إلينا بهدوء.
لم تعد الأيام مثالية
لا زالت هناك كوابيس توقظني أحيانا في منتصف الليل فأمد يدي بحثا عن ابنتي لأطمئن أنها ليست حبيسة غرفة مظلمة بعد الآن.
ولا زالت هناك لحظات تسكت فيها كلوي فجأة تحدق طويلا في الأفق كأنها تقيس المسافة بين ما كانت عليه وما أصبحت عليه الآن.
الحياة ليست سهلة
لكنها أصبحت على الأقل حياة نختارها نحن لا حياة ندفع إليها دفعا.
هناك صباحات نضحك فيها بلا سبب واضح فقط لأن الشمس دخلت من النافذة بطريقة مختلفة قليلا أو لأن رائحة القهوة اختلطت بصوت موسيقى قديمة كانت تحبها وهي صغيرة.
وهناك مساءات نعد فيها الفطائر ونحرقها من جانب واحد لأنني أنشغل وأنا أحكي لها عن جدها وعن الأيام الأولى للشركة وعن الأخطاء التي لن أكررها معها أبدا.
لم تعد حياتنا حكاية مأساوية ولا قصة مثالية كذلك.
إنها بين هذا وذاك
قصة مليئة بالتشققات لكنها حقيقية.
هي حياتنا نحن.
ولأول مرة منذ زمن بعيد جدا
لا أشعر بالخۏف من القادم.
نعم المستقبل غامض والطريق أمامنا ليس مفروشا بالورود لكنني أعرف شيئا واحدا يقينيا
مهما كان ما ينتظرنا بعد اليوم
سأواجهه أنا وكلوي سويا
لا كأب محطم وابنة مفقودة في دفتر التقارير
بل كاثنين خرجا من الڼار وهما ممسكان بأيدي بعضهما
واختارا أن يكتبا نهايتهما بأيديهما لا بأقلام الآخرين.