خادمة عمرها 13سنه دخلت القصر ثم صدمت عندما رأت صورتها معلقة علي الجدار

تقدّمت فتاةٌ ريفية في الثالثة عشرة من عمرها للعمل خادمةً، لكنها صُدمت حين رأت صورتها نفسها داخل القصر.
تحية طيبة لكم يا متابعي السلسلة. واليوم نفتح صفحةً جديدة تحمل عنوان الصورة في القصر.
لم يخفَّ الثقل الجاثم على صدر ليرا وهي تخطو خارج بيتهم الصغير المصنوع من الخشب وسعف النخيل. كانت تشعر ببرودة الصباح، لا من نسيم الهواء وحده، بل من وطأة القرار الذي أجبرها على ترك والدها مؤقتًا. كان يجلس على مقعدهم الخشبي القديم أمام البيت، يضع على كتفيه بطانية، ويتنفس بصعوبة.
قال الرجل العجوز بصوتٍ أجش وهو يتابعها بعينيه
يا ابنتي، أمتأكدة أنتِ؟
هزّت ليرا رأسها، وحاولت أن ترسم ابتسامةً رغم أن الدموع كانت تترقرق في عينيها.
نعم يا أبي، لا بدّ من ذلك حتى نشتري دواءك.
أمسك والدها بيديها. كانتا لا تزالان دافئتين، رغم أن قبضته باتت واهنة.
احرصي على نفسك هناك. لا تدعي أحدًا يخدعك، وتذكّري أنه مهما حدث فلكِ بيت تعودين إليه هنا.
تنهدت ليرا ثم عانقته بقوة، كأنها أرادت في تلك العناق أن تنقل إليه كل ما تملكه من حبّ وقوة. لم تكن تعلم متى سيريان بعضهما مجددًا، لذا حاولت أن تحفظ في ذاكرتها كل تفصيلة من ملامح وجهه؛ عينيه الغائرتين، وابتسامته الخفيفة رغم المړض، وتجاعيد جبينه التي حفرتها سنوات الكدّ والتعب.
وعندما وصلت الدراجة الڼارية ذات العربة الجانبية التي ستقلّها إلى البلدة، أمسكت حقيبتها الصغيرة بإحكام. لم تكن ثقيلة؛ لم يكن فيها سوى بضع قطع من الملابس، وبعض الأرغفة، وزجاجة ماء صغيرة. لكن داخل تلك الحقيبة كان الشيء الوحيد الذي لا تستطيع أن تفقده العقد القديم الذي تضعه الآن في عنقها.
وأثناء سير المركبة في الطريق الضيق عبر القرية، رفعت ليرا نظرها إلى السماء. كانت الشمس تبدأ بالتسلل بين أشجار جوز الهند، والطيور تُسمع زقزقتها من بعيد كأنها هي الأخرى تودّعها. أغمضت عينيها لحظة، محاولةً أن تمنع نفسها من البكاء.
وحين وصلوا إلى البلدة، ظهر أمامها موقف الحافلات. كان بعض الناس قد اصطفوا هناك وهم يحملون أمتعتهم. جلست على مقعد خشبي، قابضةً على أجرة الطريق. لم تكن تعرف كيف تبدو مانيلا، ولا كم هي كبيرة أو صاخبة، لكنها كانت تحاول ألّا تستسلم للخوف.
وبعد قليل وصلت الحافلة. اقتربت منها، دفعت الأجرة، ثم دخلت. اختارت مقعدًا قرب النافذة. وما إن تحركت الحافلة حتى أخذت تحدّق من الزجاج، تراقب المشاهد المألوفة وهي تتلاشى شيئًا فشيئًا حقول الأرز الذهبية تحت ضوء الشمس، والأطفال الذين يلعبون على جانب الطريق، والدكاكين الخشبية التي اعتادت التردد عليها.
وفي ذهنها كانت تردد مرارًا
سأدّخر المال. سأعود بسرعة. لن أترك أبي طويلًا من دون رفيق.
ومع سير الحافلة، رفعت ليرا يدها ولمست العقد المعلّق في عنقها. كان باهت اللون، وفي وسطه خدوش خفيفة، لكنه بالنسبة إليها لا يقدّر بثمن.
همست لنفسها
لقد كان لأمي.
كان والدها قد أخبرها أن أمها أعطته هذا العقد قبل أن تفارق الحياة. ولم يكن لديها أي ذكرى أخرى عنها. لم يبقَ لها من أمها سوى ذلك العقد، وبعض الحكايات التي كان أبوها يرويها، فكانت تلك الحكايات الجسر الوحيد الذي يصلها بماضٍ لا تعرفه.
ابتسمت لها امرأة عجوز كانت تجلس إلى جوارها، ثم سألتها
أنتِ وحدكِ يا ابنتي؟
أجابت ليرا بخفوت
نعم.
سأذهب إلى مانيلا لأعمل.
قالت العجوز
يا للهول، ما زلتِ صغيرة. احذري هناك. في المدينة خير كثير، لكن لا يخلو الأمر من أناس يستغلون غيرهم.
أومأت ليرا شاكرة. وشعرت بشيء من السلوى من تلك العناية البسيطة الصادرة من غريبة.
ومع امتداد الرحلة، بدأت الأشجار وحقول الأرز تختفي شيئًا فشيئًا، لتحل محلها المباني الكثيرة والسيارات والضجيج. ومع ذلك، كان في صدرها شيء من الترقب، كأن المدينة تناديها لسبب لا تستطيع تفسيره. وفي آخر نظرة ألقتها من النافذة، رأت الجبال في البعيد، كأن الضباب يبتلعها ببطء. ربما كانت تلك آخر مرة ترى فيها موطنها الريفي لوقت طويل.
في ذهنها كانت الخطة واضحة ستعمل بإخلاص، وتدخر المال، ثم تعود بسرعة إلى أبيها. لكنها لم تكن تعلم أن القصر الذي تقصده لن يكون مجرد مكان للعمل، بل سيكون بداية ظهور أسئلة ظلت مخبأة طويلًا، وكشف سرّ سيبدل حياتها كلها.
كانت مانيلا حارة وصاخبة، مختلفة تمامًا عن القرية التي غادرتها ليرا. وما إن نزلت من الحافلة حتى استقبلتها رائحة الدخان، وأصوات السيارات التي لا تكف عن إطلاق الأبواق. وعلى جانب الطريق كان هناك من يبيع الفاكهة، والحلوى الشعبية، والأقمشة البالية. كانت تمسك حقيبتها الصغيرة بقوة حتى كادت أن تتجعد من شدة العرق المتجمع في كفيها.
اقترب منها رجل يرتدي زيّ الوكالة.
أأنتِ ليرا؟
أجابت بخفوت
نعم.
قال
تعالي، سأوصلك إلى صاحبة العمل. إنها صارمة، لكن إن كنتِ مجتهدة فستبقين. 
ركبت معه في سيارة فان. وفي داخلها لم تكن ليرا مرتاحة؛ كانت ملتصقة بالنافذة، تراقب المباني العالية وأضواء الشوارع حتى في وضح النهار. ومع سير السيارة بدأت العربات الصغيرة والدكاكين المتناثرة تختفي، لتحل مكانها المباني الكبيرة والأسوار الرخامية.
قال الرجل
لقد اقتربنا.
ولم تمضِ لحظات حتى توقفت السيارة أمام بوابة تكاد تعلو بطول رجلين. كانت من الحديد المزخرف بنقوش ملتفة، وفي وسطها حرف F محفور. وعلى الجانب وقف حارس بزي رسمي، تقدم مباشرة وحيّاهم.
وحين فُتحت البوابة، بدا لليرا كأنها ترى عالمًا آخر. حديقة واسعة تعجّ بأنواع شتى من النباتات والزهور، ونافورة توحي بأنها آتية من بلاد بعيدة، وممر من الرخام الأبيض يمتد نحو الداخل.
همست لنفسها
هذه أول مرة أرى فيها شيئًا كهذا.
وعندما اقتربوا من باب القصر، انفتح الباب تلقائيًا من الداخل، وهناك رأت للمرة الأولى السيدة دونيا فيلينا. كانت تجلس على كرسي خشبي محفور عليه شكل الورود. شعرها مصفف بعناية، وثوبها بدا كأنه من أفخر الأقمشة. لكن ما لفت النظر أكثر من كل ذلك هو عيناها؛ كانتا باردتين وحادتين، كأنهما تكشفان كل شيء عنك قبل أن تتكلم.
نظرت إلى ليرا من رأسها حتى أخمص قدميها، ثم قالت ببرود
أنتِ ما زلتِ صغيرة. لكنك ستتعلمين.
لم تعرف ليرا هل تبتسم أم تشكر، فاكتفت بالانحناء وإيماءة خفيفة.
نادت السيدة
ميلا.
فخرجت من جانب الصالة امرأة ذات وجه طيب وابتسامة وديعة.
نعم يا سيدتي.
قالت دونيا فيلينا
هذه هي ليرا. ستكونين مسؤولة عنها. علّميها كل الأعمال.
اقتربت ميلا من ليرا وابتسمت لها.
تعالي يا ابنتي. أنا ميلا. أعمل هنا منذ زمن طويل، فلا تخجلي.
أجابت ليرا
شكرًا لكِ.
وشعرت بشيء من الطمأنينة.
ومن خلف الباب المؤدي إلى الحديقة، أطلّ رجل مسنّ. كان شعره أبيض، وظهره محنيًا قليلًا، لكن هيئته بقيت متماسكة. كان هذا هو مانغ أندريس، البستاني. لم يتكلم، لكنه أومأ لها بتحية بسيطة، ثم عاد إلى عمله.
وقبل أن تصعد ليرا مع ميلا، تكلمت دونيا فيلينا مرة أخرى
وأمر آخر. هنا لا نطرح الأسئلة. ما يُؤمر به يُنفَّذ، هل هذا واضح؟
أجابت ليرا بسرعة
نعم.
قالت
جيد. لا أحب أن أكرر كلامي.
صعدت ليرا الدرج بصمت، لكنها شعرت، حتى وهي تدير ظهرها، بأن السيدة لا تزال تحدق إليها. كأنها تبحث في ملامحها عن شيء ما، أو ربما تتذكر أمرًا قديمًا.
وفي الطابق الثاني، أشارت لها ميلا إلى بعض الغرف.
هنا ستنامين. الغرفة صغيرة لكنها مرتبة. لكِ خزانة