خادمة عمرها 13سنه دخلت القصر ثم صدمت عندما رأت صورتها معلقة علي الجدار


ليرا مع أبيها الذي ربّاها إلى سيارة الأجرة العامة المتجهة إلى البلدة. لم يكن في أيديهما متاع كثير، لكن كليهما كان يشعر بثقل المشاعر في القلب. جلست ليرا بصمت تنظر من النافذة إلى المشاهد المألوفة التي تمرّ بهم الحقول، وأشجار جوز الهند، والبيوت الصغيرة التي كانت تراها كل يوم من قبل. ولم تستطع أن تفسر لماذا كان كل منظر منها يحمل لها معًا شيئًا من الفرح وشيئًا من الحزن.
كان إلى جوارها الأب إرنستو، مرتديًا قميصًا نظيفًا يبدو كأنه كُوي للتو. ومن حين إلى آخر كان يبتسم لها، ويضغط على يدها برفق، كأنه يطمئنها أنه لن يتركها مهما حدث.
وحين وصلا إلى البلدة، ركبا السيارة التي أرسلتها دونيا فيلينا لتقلّهما. كانت السيارة كبيرة، ومقاعدها ناعمة، ورائحتها زكية. وظل الثلاثة صامتين، ليرا وأبوها والسائق، حتى لاحظت ليرا كيف بدأ المشهد خارج النافذة يتغير سريعًا؛ من الطرق الضيقة في القرية إلى الشوارع الواسعة المعبدة في المدينة.
وبعد دقائق، ظهرت أمامهم بوابة القصر الكبيرة. لم تعد تلك البوابة لغزًا بالنسبة إلى ليرا كما كانت من قبل. لكن الإحساس هذه المرة كان مختلفًا تمامًا. ففي السابق دخلت هذا المكان بوصفها خادمةً تحمل في قلبها الخۏف والرهبة. أما الآن، فهي تعود إليه بصفتها ابنة صاحبته.
وحين انفتحت البوابة، سارت السيارة ببطء في الممر المحاط بأشجار النخيل. ورأت ليرا البيت الكبير المهيب، وفي أعلى الدرج كانت دونيا فيلينا واقفة، ترتدي فستانًا بسيطًا بلون كريمي، لكنها بدت كأنها أعدّت نفسها بعناية لهذا اليوم الخاص.
ولما نزلت ليرا من السيارة، كانت ما تزال ممسكة بيد أبيها إرنستو.
قالت دونيا فيلينا وعيناها تمتلئان بالدموع
ليرا إرنستو
لم يعد في صوتها ذلك الجفاء القديم، بل حلّ مكانه دفء وانكسار.
اقتربت من ليرا، وربّتت برفق على خدها، ثم قالت
من الآن فصاعدًا، لن تعملي هنا. أنت ابنتي.
اهتز قلب ليرا عند سماع هذه الكلمات، وشعرت كأن الجدران التي كانت تفصلها عن الحقيقة قد اڼهارت دفعة واحدة. ومن طرف عينها، رأت أباها إرنستو يبتسم، رغم أن عينيه كانتا حمراوين من التأثر.
قالت ليرا بصوت متهدج
شكرًا يا يا أمي.
فشهقت دونيا فيلينا، ثم جذبتها إلى حضنها بقوة. كان ذلك الحضن أشبه بحضن انتظرته سنوات دون أن تعرف. حضڼ غريب ومألوف في آنٍ واحد، كأن الډم الذي يجري بينهما بدأ أخيرًا يجد طريقه إلى القلب.
أما الأب إرنستو فلم يستطع أن يمنع نفسه من الابتسام وسط دموعه.
وقال
شكرًا لكِ يا سيدتي بل يا ماما فيلينا على قبولك لها.
فابتسم الجميع من طريقته المتعثرة في نطق الاسم الجديد.
ثم دعتهم إلى الدخول. وعندما دخلوا الصالة، وقعت عينا ليرا مرة أخرى على تلك الصورة الكبيرة المعلقة على الجدار؛ صورة الطفلة التي حيّرتها يومًا ما. كانت في السابق تنظر إليها بدهشة وأسئلة لا تنتهي. أما الآن، فقد عرفت أخيرًا أنها هي تلك الطفلة.
وفي تلك النظرة، رأت حياتها كلها من فتاة ريفية بسيطة، إلى من تكتشف هويتها الحقيقية بعد كل تلك السنوات.
قالت دونيا فيلينا وهي تشير إلى الصورة
إن أردتِ، يمكننا أن نرسم صورة جديدة لنا معًا. لكنني أريد أيضًا أن تبقى هذه الصورة هنا كتذكار.
أومأت ليرا وقالت
فلنتركها هنا يا أمي. فهي تذكّرنا بأن الإنسان قد يضيع لكنه قد يُعثر عليه من جديد.
وعند مائدة الطعام، جلس الثلاثة يتناولون غداءً فاخرًا دجاجًا مطهوًا، وحساءً حامضًا بالروبيان، وحلوى ليتشي فلان التي كانت ليرا تحبها. وأثناء الطعام، لم تعد دونيا فيلينا رسمية كما كانت من قبل. أخذت تسأل ليرا عن حياتها في القرية، وعن كيف تعلمت غسل الملابس في النهر، والزراعة في الحقل، والطهو بالحطب. وكانت تصغي إلى كل كلمة كأنها كنز تعثر عليه للمرة الأولى.
قالت ليرا بعد لقمة من الأرز
يا أمي، حتى لو بقيت هنا، أريد أن أعود أحيانًا إلى القرية. هناك أصدقائي، وهناك ذكريات أمي.
وضعت دونيا فيلينا يدها على يدها وقالت
نعم يا ابنتي، لن أمنعك أبدًا. المهم أن تعرفي أين هو البيت الذي تعودين إليه كلما احتجتِ إلى مأوى.
وكان الأب إرنستو يبتسم.
ألم أقل لكِ يا ليرا؟ أينما ذهبتِ، هناك من يحبك. وأنا سعيد لأن هناك الآن من سيحبك أكثر.
وبعد الغداء، أخذت ليرا تتجول في القصر. لكن كل غرفة كانت تراها في ذلك اليوم بدت مختلفة. في السابق كانت الجدران باردة وبعيدة، أما الآن فقد شعرت أنها صارت جزءًا من الذكريات الكامنة في ذلك المكان.
وفي غرفتها الجديدة، وجدت سريرًا جديدًا، وستائر، وطاولة. لكن الخزانة الصغيرة التي رأتها أول مرة حين كانت تعمل في القصر بقيت كما هي. وكأن أمها فيلينا تعمّدت ألا تزيلها، لتظل شاهدًا على البداية.
وقبل أن تغادر القرية صباحًا، كانت الجارة ألِينغ روزا قد أعطتها أصيصًا صغيرًا فيه نبتة غوماميلا. والآن وضعت ليرا ذلك الأصيص قرب النافذة وقالت في نفسها
حتى لا أنسى رائحة بيتنا في القرية.
وفي المساء، جلست مع أمها فيلينا وأبيها إرنستو في الصالة، ومرّ نسيم بارد خفيف. وكان الصمت بينهم هادئًا، لا ثقل فيه، بل يحمل طمأنينة وسکينة.
ثم قالت أمها فيلينا، قاطعة الصمت
يا ليرا، لقد أمضيت سنوات طويلة أبحث عن جواب لا أجده بشأن اختفائك. وكم من ليلة دعوت الله فيها أن تكوني ما زلت حية. لم أتخيل أبدًا أنك ستعودين إليّ بهذه الطريقة. سامحيني لأنني لم أعرفك من أول لحظة.
هزّت ليرا رأسها وقالت
ليس عليكِ أن تعتذري يا أمي. فلو لم أصل إلى القرية، لما تعلمت قيمة الأشياء البسيطة. ولولا أبي إرنستو، لما تعلمت كيف أحبّ دون انتظار مقابل.
ابتسمت أمها فيلينا، ثم نظرت إلى إرنستو.
شكرًا لك. لا أعرف كيف أكافئك على تربيتك لليرا.
فأجاب الرجل العجوز
لا حاجة إلى مكافأة. فقط أحبيها هذا كل ما أريده.
عندها اتسعت ابتسامة ليرا، وهي تنظر إلى الشخصين الأهم في حياتها الآن. في الماضي، كانت تشعر وكأنها بلا مكان حقيقي في هذا العالم. أما الآن، فقد صار لها بيتان تعود إليهما القرية والقصر.
وفي الليل، قبل أن تنام، وقفت مرة أخرى أمام صورة الطفلة المعلقة في الصالة. لكنها هذه المرة لم تعد تتساءل من تكون تلك الطفلة، لأنها باتت تعرف الجواب. لم تعد الصورة مجرد صورة لطفلة مفقودة، بل صارت صورة لطفلة تم العثور عليها من جديد.
وفي قلب ليرا، كان العالمان يعيشان معًا الحياة البسيطة في القرية، والبيت الفخم في المدينة. وللمرة الأولى، لم تعد مضطرة إلى الاختيار أيهما أهم، لأن كليهما صار جزءًا من هويتها.
وفي تلك الليلة، نامت وعلى شفتيها ابتسامة، مستعدة لبدء فصل جديد من حياتها.
وهنا أُسدل الستار على الفصل المعنون
الصورة في القصر.