خادمة عمرها 13سنه دخلت القصر ثم صدمت عندما رأت صورتها معلقة علي الجدار


ثم سقطت دمعة أولى، وتبعتها أخرى. أغلقت عينيها لحظة، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم قالت
تسعة وتسعون فاصلة تسعة بالمئة أنتِ ابنتي يا ليرا.
ساد سكون أشبه بتوقف العالم.
ظلت ليرا تحدق فيها وهي لا تزال تمسك طرف ثوبها. لم تستطع أن تتحرك أو تنطق. اقتربت دونيا فيلينا منها فجأة، واحتضنتها بقوة.
يا ابنتي لقد بحثت عنكِ طويلًا. ظننت أنكِ رحلتِ إلى الأبد.
لكن ليرا بقيت واقفة بلا حراك. لم تكن مستعدة بعد لاحتضان الحقيقة. كان بينهما جدار من الارتباك والخۏف والأسئلة التي لا جواب لها.
همس مانغ أندريس، وقد بدا أنه يكبح دموعه
إذن هي حقًا.
قالت دونيا فيلينا
لم يعد هناك شك.
وفي الدقائق التالية تطايرت الكلمات في الغرفة شروح، واعتذارات، وقطع من الماضي بدأت تتجمع ببطء. لكن في قلب ليرا لم تتشكل صورة واضحة بعد. التفتت نحو النافذة بصمت. في الخارج بدأ المطر يخف، غير أن السماء بقيت داكنة، كأنها مرآة لما يعتمل في نفسها.
وفي الأيام التي تلت تأكيد فحص الحمض النووي لكل شيء، بدا العالم كله مختلفًا بالنسبة إلى ليرا.
في السابق، كانت تستيقظ كل صباح في القصر وهي تتوقع أن تجد قائمة طويلة من الأعمال المنزلية بانتظارها كنس الحديقة، ومسح الأرضيات، وغسل الستائر. أما الآن، فلم يعد يُطلب منها أيٌّ من ذلك. بل صار هناك خدم آخرون يتولّون تلك الأعمال بدلًا منها. وكانت يداها اللتان اعتادتا الكدّ والعرق كأنهما لم تعودا تعرفان ما تمسكان به.
في اليومين الأولين، شعرت بغربة شديدة. فإذا رأت كأسًا متسخة على المائدة حملتها تلقائيًا إلى المطبخ، لكن إحدى الخادمات كانت تستوقفها قائلةً بأدب
اتركيها لي يا آنسة ليرا.
فتكتفي بابتسامة باهتة. لكنها في داخلها لم تكن تصدق أن أحدًا يناديها الآن بالآنسة.
وفي كل ليلة، حين كانت تستلقي على السرير الوثير المعطر الذي يغوص فيه جسدها من نعومته، لم تكن تستطيع أن تمنع نفسها من تذكّر الغرفة البسيطة في بيتهم في القرية. هناك كانت رائحة الأرز والتراب تملأ المكان، خاصة حين يهطل المطر. وكان فراشها هناك رقيقًا، فيه رقع وشقوق، لكنه كان الفراش الذي عرفت عليه النوم.
وكان يشتد حنينها إلى صوت أبيها كل صباح، وهو يستخرج الماء من المضخة اليدوية
صباح الخير يا ابنتي، هيا تعالي لنتناول الفطور.
عبارة بسيطة، لكنها كانت تكفي لتملأ يومها دفئًا.
وفي صباح من تلك الصباحات، كانت تجلس قبالة دونيا فيلينا على مائدة الإفطار الفخمة. كان الصمت يملأ المكان، لا يقطعه إلا رنين خفيف صادر عن الملاعق والأكواب. وكانت المائدة طويلة، عليها مفرش فاخر، وفي وسطها مزهرية مليئة بورود طازجة، تفوح منها رائحة تدل على أنها ليست من تلك التي تُشترى من الأسواق العادية. وقدّم الخدم لهما شوكولاتة ساخنة وخبزًا طازجًا محشوًّا، بدا ألذّ من كل ما سبق أن تذوقته ليرا في البلدة.
قالت دونيا فيلينا برفق وهي تراقبها من الطرف الآخر للطاولة
ليرا ألا ترغبين في البقاء هنا؟
توقفت ليرا عن الأكل، ونظرت إليها بتردد.
لست أدري يا سيدتي
ثم أضافت بصوت منخفض
لكن أبي هناك. هو الذي ربّاني. لا أستطيع أن أتركه هكذا ببساطة.
انعقد حاجبا دونيا قليلًا، ثم سرعان ما لانت ملامحها.
أفهم ما تقولين. لكنك ابنتي يا ليرا. وبعد كل هذه السنوات، وجدتُك أخيرًا. أريد أن أعوّضك عن كل ما فات. سأوفر لك كل ما تحتاجينه، ولن تكوني مضطرة إلى العمل بعد الآن.
خفضت ليرا نظرها، تبحث عن الكلمات المناسبة.
أعرف أن نيتك طيبة، وأنا ممتنة جدًا لكل ما تفعلينه. لكنني لا أستطيع أن أنسى الحياة التي نشأت فيها. هناك تعلمت الاجتهاد، وهناك تعلمت الحلم. وهناك قلبي.
لم تقل دونيا فيلينا شيئًا بعد ذلك، لكن الحزن كان واضحًا في عينيها.
وبعد الإفطار، خرجت ليرا تتمشى في حديقة القصر. كان المكان أشبه بحلم لم ترَ مثله من قبل؛ مروج واسعة، وأزهار وردية وصفراء وبيضاء تزداد بريقًا تحت ضوء الشمس، ورائحة الفل والورد العطري تسري في الهواء. لكن رغم كل هذا الجمال، كانت تشعر أن شيئًا ما ما زال ناقصًا.
ليرا!
التفتت، فرأت مانغ أندريس واقفًا في ظل شجرة مانجو.
نعم يا مانغ أندريس؟
اقتربت منه ببطء.
قال لها
قرارك بأن تعودي إلى أبيك أولًا قرار صائب. لا حاجة بك إلى استعجال كل شيء. أعرف أن ما حدث لك تغيير هائل. لكن سيأتي وقت تكونين فيه أنت وحدك القادرة على تقرير أين مكانك حقًا.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
شكرًا لك يا مانغ أندريس. أحيانًا أشعر أنني لم أعد أعرف من أكون.
قال الرجل العجوز
يا ليرا، ليس الاسم ولا المال هما ما يحددان هوية الإنسان. إنما قلبه وما يقدّره. وإذا كنت تحبين أباك، فلا خطأ في أن تختاريه.
وفي تلك الليلة، جلست ليرا على طرف السرير وفتحت صندوقًا صغيرًا كان أبوها قد أعطاها إياه منذ زمن. وجدت فيه الشريط القديم الذي كانت تربط به شعرها يوم دخلت المدرسة لأول مرة، وصورةً لها معه تحت شجرة المانجو في ساحة بيتهم. عندها انهمرت دموعها، لأنها فكرت
ماذا لو تغيّر كل شيء إذا بقيت هنا؟ ماذا لو لم أعد أستطيع الرجوع إلى تلك الحياة البسيطة أبدًا؟
وفي صباح اليوم التالي، استدعتها دونيا فيلينا إلى مكتبها. كانت الغرفة تعجّ بالأثاث الفاخر، والصور، والقطع الأثرية التي بدت كأنها من زمن قديم. وعلى منتصف المكتب كان هناك ظرف أبيض.
قالت دونيا وهي تمدّه إليها
خذي هذا. إنه أجرة عودتك إلى القرية، وفيه أيضًا مبلغ إضافي لأبيك. أعلم أن هذا لا يكفي ليعادل الحب الذي منحك إياه، لكنني آمل أن يساعدكما.
ظلّت ليرا تنظر إلى الظرف لحظات، قبل أن تقول بصوت منخفض
شكرًا لكِ يا سيدتي بل يا أمي.
لمعت عينا دونيا فيلينا عند سماع تلك الكلمة، لكنها لم تقترب منها.
وقالت بصوت مخټنق
عودي إليّ يا ابنتي هذا كل ما أرجوه.
وفي صباح اليوم التالي، أوصلها مانغ أندريس إلى موقف الحافلات. كان الطريق من القصر إلى البلدة صامتًا. وكانت ليرا تنظر من النافذة إلى الحقول، والدكاكين الصغيرة، والأطفال الذين يلعبون عند جوانب الطريق. وكانت كل تلك المناظر تبدو أقرب إلى قلبها من الأرضيات الرخامية اللامعة في القصر.
وقبل أن تنزل، قال لها مانغ أندريس
لا تظني أنك مدينة لنا بشيء يا ليرا. أنت ابنة السيدة، نعم، لكن قبل ذلك كله أنت إنسانة طيبة. وأينما اخترتِ أن تكوني، فذلك وحده هو الذي سيحدد شكل الحياة التي ستسلكينها.
أومأت وهي تحاول أن تبتسم.
شكرًا لك يا مانغ أندريس. لن أنسى أبدًا كل ما فعلتموه لأجلي.
وفي الحافلة العائدة إلى القرية، ظلت تنظر من النافذة. وكانت السحب في الأفق ثقيلة، كأنها تحمل كل ما يثقل قلبها. ومع كل كيلومتر تقطعه الحافلة، كانت تشعر بمزيج من الفرح والخۏف. فقد أدركت أنه سيأتي يوم تضطر فيه إلى الاختيار بين الحياة التي نشأت فيها، والحياة التي لم تعرفها إلا الآن. لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا لديها في تلك اللحظة
إنها لم تكن مستعدة بعد.
ومع ذلك، كانت تعرف أن يوم المواجهة سيأتي. وستقف فيه أمام ذلك القرار، حاملةً معها كل الذكريات، وكل الحب، وكل الدروس التي انطبعت في قلبها.
وبعد أسبوعين، كان الصباح مشرقًا حين صعدت