سلسه لما الدنيا تعلمنا الحكايه الثالثه زوايا النفوس بقلم الكاتبه نرمين عادل

سلسله لما الدنيا تعلمنا_ الحكايه الثالثه_ زوايا النفوس بقلم الكاتبه نرمين عادل همام
في زوايا النفس المظلمة حيث تختبئ مشاعر لم تغسل بماء الصدق يتكون الحقد ذلك الضيف الثقيل الذي لا يطرق الباب بل يقتحم القلب في لحظة ضعف ويستوطنه دون رحمة.
إنه الغل ڼار هادئة تشتعل في الصدور تأكل صاحبها قبل أن تطال خصمه وتعمي البصيرة حتى يغدو الإنسان عدو نفسه.
وما بين من يبيت قلبه مثقلا بالأڈى ومن يلقي همه على عتبات السماء يبقى الفارق شاسعا فالنية الصافية وإن طال عليها الزمن لا بد أن تزهر نصرا.
فما من قلب سليم إلا ورفعه الله
وما من صدر حاقد إلا وأثقله حتى انكسر.
دع الحقد المدفون في القلب وانسه
فإنه سم روح لا يداويه راقي
ترى الحاقد المهزوم في كل لحظة
يعادي ضياء الشمس والوجه الباقي
وإن امرأ بالنور نوى وسعيه
سيأتيه فوز الحق رغم الشقاق
فصف نيتك الغراء تنبت سعادة
وتطفئ نيران الضغينة في الباقي
في زقاق ضيق تفوح منه رائحة الرطوبة والعطن وتتكئ جدرانه على أنين الأسرار كانت نرجس تخطو بخطى ثقيلة نحو بيت شبه مهجور لا تضيئه إلا فتات شمعة واهنة وعيون السحرة الحمراء خلف الستائر.
جلست أمام الدجال رجل جاوز الستين وجهه مشوه بندوب قديمة لا يعرف إن كانت بفعل الناس أم الجن عيناه صغيرتان لامعتان يحدق من خلالهما كأنه ينفذ إلى صدور البشر. يحيط به دخان كثيف من نوع ما يعبق برائحة البخور المحروق ومسك الليل الرديء.
نرجس وهي تميل بجسدها النحيل المرتجف ووجهها يتلوى بالحقد وعيناها تشتعلان بڼار الغل
شوف يا سيدنا أنا عايزاك تقطم لي وسطها تخليها تزحف على الأرض زحف تتمنى المۏت وما تطولهوش.
خرجت الكلمات من بين أسنانها كأنها قدت من صخر مسمۏم وارتعشت يداها بشدة وكأنها تمسك بخيال ضحيتها.
الدجال وقد أمال رأسه إلى الخلف وضحكة خشنة ارتفعت من صدره كانت أشبه بشهقة خبيثة من فم جني
ده انت مقهوره منها بقى!
نرجس وهي ټضرب كفا بكف وترتجف شفتاها مع كل حرف
مقهوره دي كلمة شويه! أنا لو أقدر آكلها بأسناني كنت أكلتها. بحط راسي على المخدة وبحلم بكل حاجة نفسي تحصل فيها.
نفسي أخليها تتذل ما تقدرش تروح الحمام وتعملها على نفسها وتبقى ريحتها مقرفة وما حدش يطيقها وجوزها يطلقها.
بدت كمن خرجت من عقلها تهذي بأفكار سوداء وكأن الكراهية طغت على إنسانيتها فأصبحت لا ترى أمامها إلا اڼتقاما لا يشبع.
الدجال وهو يضغط بسبابته على جبهته ويهز رأسه بتفكير غامض ثم يضحك ضحكة أقرب للزئير
لا كده الشغلانة عايزة تكتيك تاني مش زي كل مرة.
والست دي أنت عارفة إننا مش عارفين نوصل لها من كذا سنة. لما بنبعت لها حاجة من عندنا بيتأذي وبيرجعوا تاني.
بقلمي نرمين عادل همام
أطرق لحظة كأنما يرى في الهواء خيوط عالم آخر ثم نظر إليها نظرة فاحصة فيها دهشة وتردد.
نرجس وقد سقطت كتفيها بإنهاك كأنها تسرد مراثي العمر ثم تكلمت بصوت فيه نغمة فشل قديم
أقول لك إيه دي حتى في الأيام اللي في رمضان المفروض ما تصومهاش بتصومها!
ما حدش عارف ېؤذيها.
على فكرة أنا رحت قبلك لكذا واحد وعملوا لي كثير. بقى لي سنين بعمل وما فيش حاجة مقصرة فيها.
قالتها وهي تمسح عرقها بكفها المرتجف وكأنها تحاول مسح خيبات الماضي مع العرق البارد.
الدجال وقد رفع حاجبه باستغراب وجعل رأسه يميل قليلا نحوها وهو ينقر على الطاولة بإصبعه في عصبية
لا كده فهميني حتة رمضان دي يعني إيه
هي مش ست زي كل الستات ولا إيه
نرجس وقد أطلقت تنهيدة طويلة امتزجت فيها الغيرة بالحسړة ثم همست بنبرة مشوبة بالحنق
لا ست وزي ما بيقولوا عليها كمان ست الستات!
لكن بقى لها سنين بتاخد في رمضان برشام كده بتاخده الستات وهي رايحة العمرة ولا الحج علشان تبقى نظيفة...
وتأخر اسمها إيه دي
راحت تفرك أصابعها ببعضها كأنها تنبش ذاكرتها بينما عيناها زائغتان كمن يرى شبح الماضي على مقربة.
هي مستكترة حتى تصوم الكم يوم دول
قالها وهو يرفع رأسه كأنه يخاطب قوى غير مرئية من حوله وكأن كلامه يستدعي شيئا أقدم من الزمان وأخبث من الشيطان.
نرجس وقد بدا على وجهها شيء من الشماتة الممتزجة بمرارة الحقد أخرجت الكلمات من فمها كأنها تبصقها
دي بتحضر البرشام من قبل رمضان وتقول لي
عايزة أكون نظيفة عايزة أسجد لربنا وما أسيبش فرض
وبتاخد البرشام وهي حاسبة المواعيد.
قالت ذلك وهي تقبض على طرف طرحتها بقوة كأنها تخنق بها رقبة خصمتها في الخيال وكأن حديثها ېحرق ما تبقى من إنسانيتها.
الدجال وقد عقد حاجبيه وظهر في نبرته شيء من التحدي الممزوج بالذل المهني كأن كيد تلك المرأة الطاهرة قد أهان جبروته
آه قلتي لي بقى... علشان كده دول بيجوا يقولوا لي ما شفناهاش.
يا دوبك سامعين صوت كده من بعيد وما بيعرفوش يطالوها.
على فكرة كده الموضوع بقى شخصي بالنسبة لي.
يا أنا يا هي!
يا أنا قدرت عليها بعلمي وبالجيوش اللي معايا
يا هي قدرت عليا بحتة المصليه اللي بتقعد عليها.
قال كلماته الأخيرة وهو ينظر إلى الأرض كما لو كان يرى تلك السجادة كأنها خندق حصين يعجز عن اقتحامه فتتقلص قواه أمام خشوعها.
نرجس وقد اشټعل وجهها بحماس شيطاني ونهضت قليلا كمن استعاد أمله المړيض فصاحت
أيوه كده!
أنا عايزة الشغل يبقى حامي أديها ما ترحمهاش!
ده أنا عايزاها تفرفر
عايزة ريحة المسک اللي هي بتحطها تبقى ريحة لا مؤاخذة
ما حدش يطيقها
وعايزة جوزها اللي بيحترمها ده يتف عليها!
كانت ترتجف تلمع عيناها مثل مس من جنون كأنها لا تتحدث عن امرأة بل عن شيطان نزل ليهد عرشها فباتت لا ترى أمامها سوى صورة الضحېة مهشمة.
الدجال وقد عاد إلى جلسته وأغمض عينيه كمن يستحضر الأرواح ثم فتحهما فجأة وهو يقول بصوت منخفض لكنه يحمل وعيدا
هقعد النهارده أشاور نفسي
وبكره من النجمة تيجي لي
وتجيبي معاكي بكاوي كثير مش الباكوين اللي بتجيبيهم لي كل مرة
فاهمة ولا لا يا نرجس يا بنت سعدية
ختم جملته وهو يبتسم ابتسامة مشروخة فيها شيء من الجوع وشيء من الترقب
في بيت عتيق تتعانق فيه ذكريات الطفولة بأنفاس الكبار وتعلو جدرانه صور الآباء الراحلين وقد علتها مسحة من الوقار اجتمعت فيه نسائم الطيبة والريبة معا
كان النهار قد انتصف والشمس تغمر حجرات البيت بدفء خانق حين دلفت نرجس إلى مدخل بيت العائلة. وجهها يقطر عرقا وثوبها يميل إلى العشوائية كأنها عادت من معركة في سوق مزدحم. أما عيناها فخلفتهما ظلال التعب وظلال أخرى لا تقرأ بسهولة.
جميلة كانت تجلس في ركن الصالة تقلب في طبق من الفول وتكاد رائحة الخبز الساخن تملأ المكان. كان فيها هدوء المؤمنين وملامح امرأة حملت مسؤوليات كثيرة لكنها لم تفقد سكينتها.
رفعت جميلة عينيها نحو الباب وفور أن وقع نظرها على نرجس انفرجت أساريرها
جميلة بقلق مفعم بالحب
إيه يا نرجس كنت فين كل ده في السوق تصدقي قلقت عليك! ده
انت خرجتي من غير ما تفطري. تعالي ادخلي افطري معايا قبل ما تطلعي شقتك.
قالتها وهي تزيح بطرف المنديل ما علق بالمائدة من فتات كأنها تمهد لنرجس مكانا في قلبها لا على الأريكة فحسب.
تنهدت نرجس وكأنها تحمل فوق كتفيها تعب السنين
نرجس بلهجة