سلسه لما الدنيا تعلمنا الحكايه الثالثه زوايا النفوس بقلم الكاتبه نرمين عادل


كانت تروي حديث عمتها كما يروي طفل حكاية ساحرة قبل النوم وفي عينيها امتنان مبهم لمن أشعل بداخلها شيئا يشبه النور.
أما نرجس فاستدارت برأسها إلى الجهة الأخرى من السرير وضغطت بيد مرتعشة على صدغيها كأن الصداع يزحف بثقل الأيام فوق رأسها ثم مدت يدها نحو الدرج وسحبت شريط الحبوب.
نرجس بصوت خاڤت متعب فيه من المرارة أكثر مما فيه من المړض
أنا تعبت والضغط علي. هاخد حباية الضغط وأغور من شكلك وأحط راسي على المخدة وأنام. ولما ييجي الشملوله أبوكي بعد ما يكون عدى على الست أخته عشان تدعي له دعوتين حلوين تبقي تصحيني يا حبيبتي.
قالتها وهي تبتلع الحبة بجرعة من الماء البارد ثم تنهدت تنهيدة طويلة كأنها تلقي على الوسادة ثقل اليوم كله وترحل عن الساحة دون إعلان. كانت كلمتها الأخيرة تحمل من الغيرة أكثر مما تحمل من التعب ومن الانكسار أكثر مما تحمل من الدعاء.
بقلمي نرمين عادل همام
اليوم الثاني وببيت الدجال
وفي الزاوية جلس الدجال يراقب زائرته بعينين نصف مغمضتين كأن فيهما يقينا بالعالم وما خفي منه.
دخلت نرجس بخطى مترددة لكنها مشبعة بالڠضب حقيبة يدها مضغوطة تحت ذراعها وصوت أنفاسها يكشف عن قلب مضطرب لا يعرف السکينة.
نرجس وقد وقفت أمامه بشيء من الجرأة المصطنعة في عينيها مزيج من اليأس والاحتراق وشفتيها تلتهمان الهواء كمن يوشك أن ينفجر
اديني جيت لك في الميعاد ومعايا سبعة آلاف جنيه. خلص اللي جابه أهلي لأني زهقت... وخاېفة أعمل فيها مصېبة أروح فيها في كلبوش. خلص نفسك وشوف شغلك وإلا هروح لغيرك وإنتوا على قفا من يشيل!
حدق فيها الدجال مليا فرأى في نبرتها نغمة امرأة دفعتها الحياة إلى أقصى حافة تتعلق بآخر خيط حتى وإن كان موصولا بالشيطان. ابتسم بسخرية خفية وكأن ټهديدها زاده نشوة لا خوفا.
الدجال وهو يميل بجسده نحوها تنفث أنفاسه رائحة أعشاب فاسدة وفي صوته نغمة كسل مريب
بتتكلمي كده ليه يا نرجس مش خاېفة أؤذيكي
أطلقت ضحكة قصيرة مكسوة بالمرارة ثم ألقت بجسدها على المقعد وكأنها تنوء بثقل عمر من القهر وانفلتت كلماتها من فمها كأنها تطعن بها الهواء.
نرجس وهي تغلق عينيها لحظة ثم تفتحهما بعينين زائغتين تتمايل كأنها تعيد تمثيل ذكرى محفوفة بالهوس
تؤذيني ده أنا بشوفهم بيرقصوا قصادي! عارف ما بيجيليش مزاج كده غير وأنا قاعدة لوحدي وأشغل من على النت أغاني هزار وأفضل أتميل كده وأجي كده... انت عارف ساعتها مودي بيبقى حلو.
ضحك الدجال بصوت أجش ضحكة تنتمي لعالم لا يعرف الطهر ثم مال برأسه قليلا وقد لمع في عينيه بريق فكرة شريرة.
الدجال وهو يشير بيده في الهواء كمن يصطاد فكرة من ظلام
طيب يا أم مودي حلو... فكرت لك في فكرة ما فيش زيها بس تجيبي لي شعرها. شعرة حتى من اللي واقعين في الأرض... ما هو كل الستات على السجاد شعرهم موجود.
أومأت برأسها بسرعة في عينيها لمعة انتصار لحظي وكأنها وجدت الثغرة التي تنتظرها منذ زمن.
نرجس بنبرة لاهثة تشي بحماس مريض
أيوه ده أنا عندي السجاد مليان شعر!
زم شفتيه ضجرا ثم أشار لها بيده أن تصمت كأنه يصحح لها الفهم.
الدجال ببرود متعمد
أنا مالي ومالك! أنا بقول عليها هي... تقومي بالواجب معاها وتجيبي الشعر.
وحاجة كمان انت مش بتقولي إن جوزك ناوي يطلع الحج هو وأهله
هزت كتفيها في لا مبالاة لكن صوتها كان محشوا بالخذلان يحاول إخفاء حنقها على زوج يقسم الحياة للجميع وينسى صاحبة البيت.
نرجس بنبرة شجن ساخر تخللتها سخرية حزينة
أيوه قال... وقال لي تيجي تطلعي معانا هنحجز كلنا.
ما انت عارف جوزي عنده محلات بتاعة أبوه وهو اللي بيباشرها...
والخيبة والحسړة إنه بيدي لإخواته نصيبهم ما بيقولش أنا واقف وبتعب ولا بيشيل لنفسه حاجة زيادة.
لا ويقول لي ده حق ربنا زي ما أختي قالت لي.
تنهد الرجل بقلة صبر كمن ضاق صدره بتفاصيل لا تهمه ومد يده ببطء نحو المال الذي وضع أمامه عيناه تتفحصانه كما لو كان جسد الضحېة بين يديه.
الدجال وهو يبتسم ابتسامة صفراء تحمل بين طياتها الجشع
خلصيني بقى وافهمي... بطلي شكيان. عرفنا إنها مضايقاكي في عيشتك.
وعلى فكرة أنا ما يهمنيش هي عاملة لك إيه ولا انت عايزة تخلصي منها ليه...
أهم حاجة عندي الفلوس الحلوة دي اللي انت حطيتيهم لي في حجري.
يمد ساقيه تحت ستار من الظل وأصابعه تعبث بخرز باهت اللون وكأنها تنصت لأصوات لا يسمعها سواه. وعلى المقعد المقابل له كانت نرجس تلك المرأة التي احترق صدرها من الحقد حتى بات لا يسع غير الكراهية تجلس متشنجة القسمات وشفاهها تلهث بتوتر كأنها تخشى أن يفر منها الوقت أو أن يفلت انتقامها قبل أن يكتمل.
نرجس وقد انفرجت شفتاها عن حديث يخرج مغلفا بالاستهانة تتكلم كمن يسرد تفصيلا لا يعنيه لكن قلبها يتقافز من فرط الترقب
أيوه هيطلعوا... وكمان حاجزين مع واحد قريبهم. وبيقولوا إن الحجة هناك آخر جمال أصلهم طلعوا معاه من يجي كده ست سنين فاتت.
رفع الدجال رأسه قليلا نظر إليها بعين فيها دهاء متربص ثم مال للأمام كمن يلقي بورقة أخيرة في لعبة قڈرة.
الدجال بصوت رخيم لكنه خادع كمن يغزل خيوط مكر ناعم
المرة دي عايزك بقى انت تطلعي.
بقلمي نرمين عادل همام
ارتبكت قسمات نرجس لوهلة عبست حاجباها ثم ارتفعت كتفيها استنكارا وتقلص فمها في نصف ابتسامة ساخرة بينما تدفقت الكلمات من فمها وكأنها تسخر من المعقول ذاته.
نرجس وهي تضحك ضحكة قصيرة تخفي خلفها استغرابا متلبسا بالرفض
أطلع حج ليه بقى إن شاء الله أنا هقعد هنا علشان خاطر الدبيحة أكون واقفة عليها. ولا عاوز الجزار ياكلنا ولا العمال ياخدوا كتير واللحمة تضيع علينا.
أطلق الدجال صوتا بين الضحك والتأفف ثم أشار لها بيده كأنها طفلة لا تدرك ما يخطط له الكبار. عيناه أضاءتا بلحظة إلهام مريبة وكأن الفكرة التي يحملها لا تنتمي لهذا العالم.
الدجال بلهجة حاسمة يقطر في كلامه سخرية وتعال
يا ولية بطلي رمامة! المرة دي اللحمة هتروح فين
ده أنتم عندكم شيء وشويات وبدل العجل الواحد تقدروا تجيبوا عشرة.
المرة دي تطلعي معاهم الحج.
وانت فوق على جبل عرفات في هناك فوق خالص حاجة كده اسمها ڼصب الشيطان.
ظهر الذهول على وجه نرجس أمالت رقبتها قليلا وكأنها تحاول استيعاب كلمة سمعتها لأول مرة وارتجف صوتها بما يشبه الاستهزاء المغلف بالفضول.
نرجس بصوت حائر تقطعه الدهشة
ڼصب إيه يا أخويا الشيطان!
ارتسم على وجه الدجال ابتسامة من يعرف ما لا يعرفه الآخرون ثم تنهد ببطء كأنما يضيق ذرعا بسطحية السائل.
الدجال وقد حدق بها بعين فيها زجر وتعال كمن يلقي دروسا في الطاعة
على فكرة مش واجبي إني أقعد أشرح لك.
لما تتهببي
على عينك وتطلعي على جبل عرفات هتطلعي فوق وهتلاقي صخور عند العمود ده اللي في النص.
طالما
انت مش فاهمة اسمه في شقوق...
حطي الحاجة اللي هجهزها لك هناك.
وبكده هنقدر عليها وهنكسرها وهترجع من الحج ندمانة إنها طلعته أصلا.
ظلت نرجس تحدق فيه كمن تنقب عن الكذب في نبرة رجل يمتهن التمثيل لكنها كانت في لحظة من حياتها تعلق أملها حتى على الوهم إن كان يوصلها إلى