سلسه لما الدنيا تعلمنا الحكايه الثالثه زوايا النفوس بقلم الكاتبه نرمين عادل


لكن إحنا لا.
فهمتي أقول إيه تاني يا حبيبتي
أي دعوة بتوصل لهم
ولو كنت مسافرة في آخر بلاد الدنيا وأبوك مدفون هنا
لو دعيتي له وقريتي له جزء من القرآن وهبتي له ثوابه هيوصل له.
الرسول قال ابنه صالح يدعو له.
هنا لم تحتمل نرجس أكثر من ذلك. كانت الكلمات تطرق بابا مؤجلا في قلبها منذ سنوات بابا خلفه صور لأب وأم لم تطفأ ذكراهم قط. غامت عيناها بدموع حائرة ترددت بين النزول والبقاء لكنها أبت أن تظهر ضعفها فنهضت فجأة كأنها تهرب من نفسها وتكلمت بسرعة تحتمي فيها من الاڼهيار.
نرجس بنبرة تخفي فيها البكاء تحت قناع العملية
كفاية كلام مش عايزة أعيط.
يلا قومي البسي وننزل نجيب الهدوم بتاعة الحج.
جيبي لي كل حاجة أوعي تنسي حاجة.
نهضت جميلة ببطء لكنها لم ترد بل اكتفت بالنظر إلى أختها نظرة طويلة حنونة تعرف أن وراء الصلابة خوفا ووراء الاندفاع قلبا تائها يفتش عن معنى. مضت الاثنتان نحو الاستعداد ولكن كانت خطواتهما مثقلة بما لا يقال... وحجة هذا العام لم تكن ككل الأعوام.
في قلب السوق الشعبي حيث الألوان تتداخل مع الروائح وصوت البائعين يتعالى كأنهم جوقة بشړية تعزف لحنا صاخبا للحياة كانت نرجس تسير بخطى سريعة بينما جميلة تلحق بها بخطى أهدأ متأملة العابرين كأنها تحفظ الملامح وتفك شفرات الأقدار في الوجوه.
نرجس كانت تحمل في يدها ورقة مطوية كتبت عليها حاجياتها كمن يكتب وصية عاجلة. عيناها تتنقلان بين الأكشاك وقلبها يخفق بقلق لا يفهمه إلا من عاش غربة الروح. حين وقفت أمام محل للملابس نظرت إلى البائع دون مقدمات.
نرجس بلهجة حاسمة تخفي اضطرابها
عايزة طقم إحرام كويس حاجة قطن ما تلهبش الجسم وشيليني من اللي فيه زخارف ولا حركات أنا رايحة حج مش فرح!
نظر إليها البائع مبتسما رجل في أواخر الخمسين يبدو أنه اعتاد على زبائن السوق وأمزجتهم المتقلبة فرد عليها بصوت مطمئن
البائع
على عيني يا حاجة عندنا أطقم ممتازة قطن مصري ناعم وكمان في منهم بمقاسات مختلفة. تفضلي شوفي بعينك.
أشارت نرجس إلى أحد الأطقم ثم أمسكت بثوبه بين أصابعها كمن يختبر شيئا لا يريد أن يخطئ فيه. وفي تلك اللحظة تقدمت جميلة كانت عيناها تتفحص لا الثياب بل أختها. لاحظت رعشة بسيطة في يديها ونبرة صوتها التي تخفي شيئا أكبر من مجرد شراء ثوب.
جميلة بلطف وابتسامة خفيفة
نرجس ما تشتريش بعجلة خدي وقتك. الحاجة دي مش بس لبس دي نية وراحة وستر.
توقفت نرجس عن الحركة كأن الكلمات اخترقت شيئا داخلها. ثم التفتت إليها بعينين تلمعان بدمعة عالقة لم تكمل طريقها.
نرجس بصوت خفيض مليء بالتردد
هو أنا... أنا أصلا لابسة ليه أنا رايحة ليه مش عارفة. كل حاجة ماشية بسرعة وأنا مش لاقية نفسي.
اقتربت منها جميلة وضعت يدها على كتفها بلطف أموي وهمست في أذنها كما تفعل الأخت الكبرى حين ترى الطفلة داخل شقيقتها ترتجف
جميلة
رايحة علشان قلبك يرتاح. علشان تبكي هناك زي ما ما بتقدريش تبكي هنا.
رايحة علشان تقولي له كل اللي ما حدش سمعه منك.
وأكتر من ده رايحة علشان ترجعي نرجس اللي زمان... اللي ما كانتش محتاجة تستخبى في الڠضب ولا الكلام الچارح.
بقلمي نرمين عادل همام
تأملت نرجس وجهها لحظة ثم هزت رأسها ببطء كأنها تستسلم لصدق لم تعد تقدر على مقاومته. ثم عادت تنظر إلى الثياب واختارت طقما أبيض بسيطا بلا تطريز ناعم كأنه صفحة جديدة. دفعت ثمنه ثم التفتت إلى جميلة بابتسامة صغيرة لم تكمل ضحكتها لكنها قالت الكثير.
نرجس بخفة مرة تحاول كسر الجو
ماشي خلصنا من اللبس فاضل الشبشب.
بس لو طلع الشبشب ديق والله ما هسكت!
ضحكت جميلة ضحكة صافية خرجت من القلب ثم أمسكت بيد أختها وسارتا معا نحو محل الأحذية تمشيان وسط الزحام لكن ما بين أيديهما كان دفء عائلة بدأت تلتئم وشوق إلى طريق طويل اسمه الرجوع للنفس.
في بيت نرجس وبين جدرانه التي شربت من صدى صړاخها سنين وهدأت حينا بأنفاسها المتعبة كان المساء ينزل على الحي كستارة حريرية تمهد لما هو أعمق من العادة. الغرفة التي لم تعرف النظام طويلا امتلأت فجأة بأكياس من المحال وثياب مطوية وشبشب أبيض موضوع بعناية بجانب الحقيبة.
جلست نرجس القرفصاء على الأرض وأمامها الحقيبة مفتوحة كأنها فم ينتظر أن يملأ بأسرار الرحلة. يداها تتحركان بخفة ظاهرة لكن وجهها كان شاردا. كانت تضع كل قطعة بثقل غير مرئي كأنها تودع معها شيئا من عمرها.
من بعيد وقفت جميلة عند باب الغرفة تحمل بين يديها عبوة صغيرة من الكريم وعلبة أدوية وابتسامة دافئة تزين ملامحها. دخلت بخطى هادئة وجلست بجانب أختها.
جميلة وهي تمد يدها بالحاجيات
خدي دي الكريمات اللي وصيتي عليها ودي أدوية المعدة اللي قالت عليها أم صابر أصل هناك الأكل مختلف.
نرجس بصوت منخفض دون أن ترفع عينها
هو أنا مش مصدقة إني طالعة... كنت دايما أقول مش هيناديني واللي زيي ملوش مكان في الأماكن دي.
بس الظاهر ربنا سكت لي يمكن علشان يسامحني يمكن...
انزلقت دمعة من عينيها سريعة خفيفة كأنها لا تريد أن تفضح هشاشتها. مدت جميلة يدها ومسحت الدمعة قبل أن تكتمل رحلتها على الخد.
جميلة بلحن أمومي
ربنا ما بيسكتش يا نرجس هو بس بيستنى اللحظة اللي يرجع فيها العبد من غير عناد.
يمكن أنت طول عمرك بتزعلي وټصرخي وتغضبي بس قلبك فيه خير... وأنا عارفة ده.
السفر ده هيبقى بداية مش هروب فاهمة
رفعت نرجس عينيها نحو أختها ثم ابتسمت ابتسامة مرتجفة 
في بهو البيت قبيل الفجر كانت الحقائب مصطفة كجنود تستعد للرحيل. هواء الفجر يداعب الستائر وصوت الأذان يتسلل من بعيد كنداء سرمدي.
جميلة كانت ترتب حجابها أمام المرآة بينما تنظر بين الفينة والأخرى إلى نرجس التي تقف صامتة وملامحها شاحبة على غير عادتها. لم تكن تبكي لكنها أيضا لم تبتسم. كانت تحدق في أركان البيت وكأنها تودع شيئا لا يعرفه سواها.
جميلة بصوت دافئ
يا رب ترجعينا سالمين مغفور لنا ونكون من المقبولين.
نرجس تتمتم دون أن تنظر
آه... مقبولين... كل واحد ونيته.
في المطار وبين الزحام والتكبيرات التي تملأ الصالات كانت نرجس تخفي في حقيبتها الصغيرة شيئا ملفوفا في قماش أسود وعينها تراقب جميلة حين تبتسم للسيدة المسنة التي تجلس بجانبها.
كان في قلب نرجس غليان وفي يدها خطة وفي نيتها شړ.
السفر مر كالحلم طائرات تقلع وسماء تتبدل وصمت طويل يملأ العيون بالتأمل أو بالتخطيط.
وحين نزلوا في مطار جدة كان هواء الحجاز مختلفا كأنه يحمل عبق أنفاس آلاف الحجاج السابقين.
وفي الحافلة المتجهة إلى مكة جلست نرجس بجوار
النافذة وعيناها متصلبتان نحو الأفق ويدها تقبض على حقيبتها بقوة.
أما جميلة فكانت تسبح تتأمل الجبال التي بدأت تلوح في الأفق وتتمتم بأدعية لم تعلم أنها تدعو بها على نفسها... أو لعلها دعوات ستحميها مما يحاك لها.
وحين نادى السائق فجأة اقتربنا من الحرم!
انطلقت الصرخات بالتكبير وزغردت النساء وبكت جميلة بحړقة وهي تقول
اللهم لك الحمد دعيتني فاستجبت فيا رب لا تردني.
أما نرجس... فكانت تتظاهر بالبكاء لكنها لم تبك. كان قلبها منشغلا بشيء واحد
الطريق إلى جبل عرفات... حيث ستدفن البراءة وتزرع بذور