سلسه لما الدنيا تعلمنا الحكايه الثالثه زوايا النفوس بقلم الكاتبه نرمين عادل


ما تشتهي من خړاب.
نرجس وهي تميل بجسدها للأمام عيناها تضيقان ونبرتها ممزوجة بالشك واللهفة
بجد ولا بتضحك علياأ
بجد الجد كمان!
هترجع عيانة وهتزحف بعد كده على رجليها والكل هيقول رحلة الحج كانت جامدة عليها.
وحياة أسيادي اللي ما بحلف بيهم باطل لاخلي اللي ماشي في الشارع يشم ريحة عفنتها.
قهقهت نرجس وانفرج فمها عن ابتسامة ملوثة بالسواد ثم نظرت إلى معصمها حيث تتلألأ أساور ذهبها ورفعت يدها كأنها تبرم اتفاقا مقدسا مع الشيطان ذاته.
نرجس والضحكة تتراقص على شفتيها نبرتها تحمل وعدا مغلفا بالټهديد
تعرف لو ده حصل أول ما هرجع من الحج هديك جوز غوايش من اللي في إيدي دول زيادة على حقك اللي انت أخدته ده.
وكمان هجيب لك خروف وكل أول شهر ليك مني خروف كمان...
بس اللي انت قلته ده يتنفذ غير كده مش هتشوف مني حاجة.
دخلت نرجس بخطى متوترة تحمل في عينيها قلقا مستترا خلف ستار من الحماس المصطنع. كانت تحاول أن تخفي اضطرابها الداخلي وكأنها تسابق الوقت لتخفي ما يعتمل في صدرها من نوايا لا تعرف النور. جلست في صدر المجلس وبدت مترددة للحظة ثم دفعت بصوتها نحو جميلة وقد تقافز من بين شفتيها وكأنه يطلب موافقة على أمر لم يكن من شأنها في السابق.
نرجس بنبرة متعجلة ټخنقها خشية أن يغلق الباب أمامها
اديني قلت لك بقى أنا عايزة أطلع معاكم الحج وأخوك قلت له الكلام في التليفون زعق لي وقال لي انت عاملة زي العيال الصغيرة شباطة.
وأنا قلت له الحاجات كلها ممكن أجيبها في ظرف ساعتين الهدوم يعني.
أما جميلة فرفعت رأسها بهدوء فيه حكمة سنوات طويلة من الصبر كانت تنظر إلى نرجس كما تنظر الأم لطفلة مشاغبة تعلن رغبة فجائية. وعلى ملامحها تراقصت دهشة لطيفة امتزجت بابتسامة فيها شيء من الحذر.
جميلة بنغمة رقيقة فيها حنو وتحفظ
طب السفر أوعي يكون مدته خلصت.
تقاطعت الحيرة بالثقة في عيني نرجس ثم ارتفع صوتها وهي تلوح بيديها كمن يود طمأنة الآخرين بأنه يعرف ما يفعل حتى لو لم يكن كذلك.
نرجس وقد حاولت أن تظهر تماسكها
لا لا جواز السفر بتاعي شغال ولسه في سنتين من ساعة ما كنت عند أخويا في الإمارات بزوره.
وكمان قبل ما أكلم أخوك اتصلت بالشيخ محمود قريبكم ده صاحب مكتب السفريات.
ابتسمت جميلة برفق وهزت رأسها إعجابا بحرص نرجس رغم انفعالها ثم ألقت نبرة ساخرة على الكلام لتكسر الجدية التي بدأت تخيم على الأجواء.
جميلة وهي تضحك بصوت دافئ يشبه غفوة النسيم
أيوه الحاج محمود مطوف يعني هو بيعلمنا إزاي نطوف وإيه مناسك الحج أو العمرة.
مين ما بنطلع معاه وإحنا واثقين فيه. وبيحجز لنا في فنادق قريبة من الكعبة.
وكمان السنة دي بإذن الله هيقعدنا في خيام مكيفة في وادي عرفة.
شهقت نرجس وانكمش وجهها كأنها تلقت صڤعة غير متوقعة. انطلقت الكلمات من فمها بعفوية لكنها حملت بين طياتها جهلا ټصارع مع ڠضب داخلي من انكشافه.
نرجس بدهشة شديدة ووجه مفعم بالاستنكار
يعني إيه يعني انتم مش هتطلعوا الجبل
ده حتى كده يبقى حرام وحجتكم ربنا ما يقبلهاش!
قهقهت جميلة ضاحكة لا من سخرية بل من بعد المسافة بين الفهم الحقيقي وبين ما ترسب في عقل نرجس من مفاهيم مغلوطة ثم انحنت قليلا للأمام كمن يريد أن يزيح الغشاوة عن عين طفل.
جميلة بشرح صبور لا يخلو من عتاب لطيف
لا اللي انت عايزاه لك قعدة بقى.
الواحد يفهمك كويس إيه حكايتك
هو انت ما تعرفيش حاجة
كده يا نرجس يا أختي الحج عرفة وطبعا الناس كلها عارفة كده.
لكن عرفة ده مش اسم الجبل بس ده اسم الوادي اسمه وادي عرفة.
يعني أي حد في الوادي يبقى كده وقف عرفة فهمتي
ارتبكت نرجس وانخفض صوتها كأنها تخشى أن يسمع ضعفها. نظرت في عيني جميلة ثم أشاحت بوجهها وألقت الكلمات بعصبية تمزج بين الدفاع والاعتراف.
نرجس متلعثمة تحاول الاحتفاظ بكرامتها
بصي بقول لك إيه بطلي حتة انت فاهمة ومش فاهمة.
وأنا يا أختي كان مين هيقول لي
تنهدت جميلة وهي تضع يدها فوق الأخرى ثم قالت بصوت خاڤت فيه رجع ذكريات وأخوة وحب ممزوج بالحسړة. كانت تحدثها كمن يذكرها بأصلها النبيل الذي ضاع في زحمة الحياة.
جميلة بحنان الأخوات وصدق من يريد الإصلاح
أنا ياما قلت وعلى فكرة بقيت أخواتي ومراتهم عارفين المواضيع دي.
إشمعنى انت وبنتك عارفة وجوزك كمان.
ويوم الخميس اللي فات بعد صلاة العشاء لما ناديت عليكم وكنت محضرة لكم حلويات قعدت أشرح لكم.
وعلى فكرة أنا بشرح للعيال الصغيرة وعلشان ما حدش يزعل منهم بقول للكل.
رفعت نرجس بصرها أخيرا وكأن شيئا داخليا بدأ يلين. لم تظهر ضعفا لكنها سلمت ببعض الهزيمة. أرادت فقط أن تكون موجودة أن تمضي مع الركب لعلها تجد لنفسها غفرانا أو اڼتقاما لم تحدد بعد.
نرجس بصوت هادئ لكن فيه ضيق خفي
خلاص أنا طالعة معاكم. فاضل لي الهدوم.
قولي لي أجيبها منين
والشرح بقى تبقي تشرحي لي هناك.
أو أقول لك أنا هبقى ماشية جنبكم منين مطروح ولا تعملوا هعمل زيكم.
ابتسمت جميلة ابتسامة دافئة تشبه شمسا في آخر الشتاء ثم نظرت إليها بنظرة أم أكثر منها أخت فيها عزاء واحتواء وفي صوتها نبض رحيم يعانق القلب.
جميلة بكلمات صادقة تهدهد القسۏة في قلب نرجس
عارفة يا نرجس مع إن كلامك بينزل علينا زي الكرباج
لكن أنا عارفة إن قلبك طيب ومعدنك حلو.
أبوك وأمك كانوا طيبين الله يرحمهم
استحالة بذرتهم تبقى وحشة.
ساد لحظة من الصمت بعد كلمات جميلة لم يكن كأي صمت بل كان صمتا ثقيلا فيه طنين الذكريات القديمة كأن الأرواح الراحلة مرت من بينهما تربت على الأكتاف وتذكر بالأصل. كانت نرجس قد غرست عينيها في الأرض ترتجف أناملها بخفة بينما شفتيها تهمسان بأسماء لا تنسى. حين تكلمت خرج صوتها كأنه ناي مكسور يحاول أن يعزف شيئا من الحنين المكبوت.
نرجس بنبرة اختلط فيها الدفء بالحزن والعناد بالضعف الإنساني
كفاية ما تزوديش كلام على أبويا وأمي.
مش عارفة لما جبت سيرتهم دلوقتي حسيت إن في كهرباء لمست في جسمي.
مش عارفة ليه أبويا وأمي وحشوني.
ارتخت ملامح جميلة أمام هذا الاعتراف المباغت وشعرت للحظة أنها أمام قلب مكسور يبحث عن مأوى. رمقت أختها بنظرة لا تحمل شفقة بل تفيض بمودة حقيقية وحنين إلى من رحلوا وتركوا خلفهم ندوبا ناعمة على الأرواح. اقتربت منها قليلا وكأنها تطوقها بهدوء الحب.
جميلة بصوت رخيم
يشبه همس الطمأنينة في صدر الليل
هتروحي الحج وهتدعي لهم والدعوات هتوصل لهم.
وعلى فكرة اللي ما تعرفيهوش أو يمكن تكوني عارفاه
إن المتوفين بيشوفونا وبيحسوا بينا يا نرجس.
ادعي لهم طول ما انت
قاعدة.
اتسعت عينا نرجس قليلا وكأنها تلقت خبرا مفاجئا لم تهيئ له قلبها. صعد القلق إلى وجهها ومالت برأسها جانبا تبحث في الكلمات عن شيء يسكن الخۏف الذي استيقظ فيها بغتة.
نرجس پخوف طفيف يخبئه الفضول
يعني إيه بيشوفونا
مش فاهمة كلامك فسريه.
زفرت جميلة بهدوء كما تفعل الأمهات حين يضطررن لشرح ما لا يشرح ثم استقامت في جلستها وأجابت بصبر يليق بمن يملك سکينة الداخل.
جميلة بثقة نابعة من الإيمان وعينين تنظران إلى ما وراء الدنيا
كلامي مفسر يعني هم بيشوفونا وبيحسوا بينا