سلسه لما الدنيا تعلمنا الحكايه الثالثه زوايا النفوس بقلم الكاتبه نرمين عادل


منهكة مصحوبة بزيف خفيف
عينيا يا أختي ده أنا يا دوبك جبت شوية الطلبات دول والدنيا زحمة والناس فوق بعض. عقبال ما لقيت ميكروباص نطيت فيه وجيت بسرعة.
كان كلامها منسابا لكنه مغطى بقناع لا يخفي شيئا عن عيني أختها فقد اعتادت جميلة أن تلتقط الكذب في ثنايا اللهجة لا الكلمات.
ابتسمت جميلة وابتسامة الصادق لا تخلو من صدق التذكير
جميلة ضاحكة بطيبة
بتضحكيني بطريقة كلامك دي. تعالي عندي خير ربنا كثير كله من خير أبويا الله يرحمه وخير جوزك.
وما إن سمعت نرجس اسم زوجها حتى نزل الحرف من شفتيها ببطء وكأن ذكره يوقظ شيئا ثقيلا في صدرها
نرجس بصوت واهن كأنها تلوك مرارة لا تبلع
أيوه من خير جوزي.
كانت الجملة قصيرة لكن ما وراءها كان طويلا. جميلة التقطت الحزن فيها لكنها لم تعلق اختارت أن تسحب الحوار برفق نحو دفء المكان
جميلة
أيوه اقعدي هنا حطي الحاجة على الترابيزة واقعدي هنا على الكنبة اللي جنب الشباك. الدنيا حر والشباك ده بيجيب طراوة.
تحركت نرجس بخطى بطيئة وقبل أن تجلس مدت يدها لتخلع الإشارب عن رأسها.
بقلمي نرمين عادل همام
لكن جميلة بعفوية المرأة المؤمنة شهقت كأنها رأت خطأ لا يغتفر
جميلة پخوف مشوب بالحياء
تقلعي إيه يا شيخة! لا حرام ما تقلعيش وتوري شعرك لحد. العمائر اللي قدامنا فيها ناس قاعدة في بلكوناتها.
ما انت شايفاني أهو لابسة الإسدال وأهو البيت من تحت لفوق بيت أبويا وشقق إخواتي في شقتي.
بس الستر واجب يا أختي.
قالتها لا قسۏة فيها بل صدق ناصع لا يعرف المجاملة. وكانت كلماتها تنزل على نرجس كأنها 
رفعت نرجس حاجبها وانكمشت شفتاها بحنق دفين وردت
نرجس بغيظ مغلف بالتصنع
أيوه طبعا الستر واجب.
يا سلام عليك كده يا جميلة لما أقعد معاكي وبتفهميني كل حاجة في الدين.
كانت تسخر لكن جميلة لم تنجرف بل أجابت بجملة استقرت كالخڼجر في صدر نرجس
جميلة بهدوء الصادقين
على فكرة ده واجبي مش بأمن عليكم بيه.
ولما بجمعكم كلكم هنا علشان أنصحكم وأنصح بناتكم
على فكرة السنين بتعدي وبنموت ما بيتبقلنا غير العمل اللي بنعمله أعمالنا الطيبة يعني.
آه يمكن حد يعمل حاجة كويسة بسبب الكلام ده تشفع لي عند ربنا.
وفي عينيها كان بريق لا تصنع فيه. بريق امرأة تخاف الله وتحمل في قلبها محبة وإن كانت مطعمة بالحزن.
أما نرجس فظلت تنظر إلى أختها نظرة متذبذبة بين الغيظ والغيرة وبين شعور دفين بأنها رغم كل شيء تتمنى لو كانت قادرة على الإيمان مثلها.
قالت نرجس وهي تنزع حجابها ببطء وتجلس على طرف المقعد الخشبي في ركن المطبخ
نرجس
يا أختي ربنا يديك الصحة وطولة العمر ده انت لسه صغيرة.
رفعت جميلة بصرها نحوها وقد علت وجهها ابتسامة دافئة يعلوها بعض الحزن المستتر كمن أيقن قصر الأمل وطول الحساب.
جميلة
وهو إحنا لما نقابل ربنا فيها كبيرة وصغيرة يا أختي يا عالم ده إحنا نفس داخل ونفس طالع. ده أنا ممكن أغمض عيني دلوقتي وأصحى على يوم القيامة.
ضحكت نرجس وضحكتها تحمل من المكر أكثر مما تحمل من البساطة ثم أشارت إلى الطبق أمامها وهي تمضغ لقمة بنهم.
نرجس
والنبي بتضحكيني دمك خفيف والله. على فكرة أكلك ده طعمه زي العسل. قولي لي يا أختي انت عاملة الأكلة دي إزاي
ابتسمت جميلة وهي ترفع يديها لتعدل طرحة رأسها المنسدلة قليلا ثم أشارت إلى الكيكة الموضوعة على طرف السفرة المتواضعة.
جميلة
أكلة إيه بس يا نرجس ده انت اللي بتضحكيني. أصلها كيكه قدرة قادر طلباتها كثيرة بحط لبن وبيض ولبن بودرة. هقول لك حاجة كمان يومين هجيب مقاديرها وأعملها لك عندك في شقتك فوق.
وفي الطابق الأعلى حيث الهدوء المصطنع لا يخفي الشرر المتطاير من عيني نرجس جلست الأخيرة أمام مرآة صغيرة تزيل ببطء بقايا الكحل وتتمتم بكلمات يملؤها الغل كانت وحدها في الغرفة حتى دخلت عليها ابنتها هدى تحمل كتبها وتضعها على السرير في هدوء فبدأت الأم تمطر السماء شكوى.
نرجس وهي تمزج كلماتها بأنفاس متقطعة من الغيظ
آه ياني منها لو تجيلها غورة! لو ينفع أقلبها من حتة! إلا فرساني حاسة إن مرارتي هتفرقع منها. هو في كده عارفة في كل حاجة في الطبخ والتفصيل والنظافة والشياكة وكمان في الدين! فاضل إيه ثاني ما عرفتهوش ده إحنا بكره نلاقيها طالعة لنا في التلفزيون بتدينا مواعظ!
رفعت هدى حاجبيها دهشة ثم وضعت كتبها جانبا واقتربت من أمها وعيناها تلمعان بتساؤلات لا تجد لها إجابات.
هدى
في إيه بس يا ماما بتعملي كده ليه وعلى طول بتشتكي منها. هي عملت لك حاجة وبعدين لو سمحتي بقى وطي صوتك أنا مش عارفة أركز في مذاكرتي.
شهقت نرجس بشيء من التمثيل وكأنها طعنت بخنجر من ابنتها وقالت بصوت متهدج يجمع بين الحزن والزيف
نرجس بحسرة مغلفة بتهكم
حتى انت يا واطية يا اللي طلعت بيكي من الدنيا. بصي لعمتك كأنها مثلك الأعلى! ده حتى بيقولوا اقلب القدرة على فمها تطلع البنت لأمها مش تطلع لعمتها يا موكوسة يا بنت الموكسه! منظرها على إيه يا بت هي وعدتك تديكي حاجة
تنهدت هدى ثم جلست إلى جوارها وهي تحاول أن تحتفظ بهدوئها في مواجهة عاصفة الأم. كانت كلماتها كأنها صدى ضمير لا يريد أن ينطفئ.
هدى
وعدتني إيه بس يا ماما كل اللي فيه إني بحكي مع عقلي وشايفة عمتي ست كويسة. يا ريت نطلع زيها. عارفة في كل حاجة في الطبيخ أستاذة في اللبس بتقول لي ألبس إشارة إيه ولونها إيه مع لبس إيه. عارفة يا ماما امبارح قالت لي إيه
لم تجب نرجس بل مدت يدها إلى طبق عنب وضعته جميلة في يدها أثناء خروجها وكأنها تتذوق منه حلاوة تتعارض مع ما تنفثه من مرارة.
نرجس
قولي يا أختي واديني ببلع كلامك بطبق العنب ده اللي اديته لي وأنا طالعة.
ضحكت هدى بخفة وقد أدركت تناقض أمها دون أن تنكر لها الطيبة التي تطل برأسها رغم قسۏتها.
هدى بتنهيدة فيها رضا وحنين
يعني مدياكي طبق عنب وطالعة بتتكلمي عليها ومتغيظة منها والنبي يا ماما ده انت حكاية! لولا إني عارفة إنك قلبك أبيض كنت زعلت منك. عموما هقول لك. امبارح كنت بسألها ألبس إيه قالت لي شوفي ربنا ومخلوقات ربنا. ما فهمتش.
نرجس وقد ارتفعت نبرتها بنفاد صبر ممزوج باستنكار
يعني إيه كلامها يعني إيه شوفي مخلوقات ربنا ما احنا شايفينها ليل ونهار قدامنا.
قالتها وهي تلوح بيدها في الهواء كأنها تطرد فكرة سخيفة أو تدفع عن عقلها أمرا لا تطيق تصديقه. كانت كمن ېخاف أن يعترف بأن في الأخرى ما لا تملكه هي فتكابر عن الفهم وتلجأ للسخرية.
هدى وقد رفعت رأسها وابتسمت بهدوء كأن ذكرى جميلة انتشلتها من ثقل اللحظة
أنا كنت مستغربة كده يا ماما قالت لي ادخلي على النت واكتبي طيور برية هتلاقي أشكال وألوان.
وقعدت جنبي يا ماما وجابت لي من على تليفونها أشكال الطيور الملونة. قالت لي شوفي الطيور دي ألوان ريشها إزاي وشكلي لبسك على نفس ألوانها صدقيني هتطلعي في قمة الشياكة أصل ما فيش أحسن من خلق ربنا.
قالت كلماتها بصفاء نابع من القلب ونظراتها تلمع بصدق الإعجاب.