رواية وادي النسيان بقلم شاهنده


بها هذا القميص الخاص به..إبتسمت وهي تتذكره البارحة وهو يرتديه ..كم كان وسيما به وهو واقفا تحت الشمس ..تلوح بشرته بأشعتها الحاړقة..يمسك الفأس بيده يزرع الأرض..ثم يقف فيمسح عرق جبهته بكمه..ثم يعاود حرث الأرض بكل قوة..وكانت هي تتأمله من بعيد تتمنى فقط لو إقتربت منه..ولكن ما بين أمنية تحدوها وقيود تمنعها هي حائرة..أسيرة..تود لو ټحطم تلك القيود..ولكن ماباليد حيلة.
إنقطعت الكهرباء فجأة لتترك جورية القميص بسرعة فأكثر ما تخشاه هو الظلام..لتتحسس الطاولة بقلق حتى وجدت الثقاب ..حاولت أن تشعل عودا..فلم تستطع ..حاولت مرارا وتكرارا حتى نجحت بالفعل..ولكن وقع منها عود الثقاب على هذا القميص ليشتعل بسرعة..حاولت أن تطفئه بغطاء جانبي فإشتعلت النيران أكثر..خشيت من ذلك الحريق الذى إنتشر بسرعة..لتندفع مغادرة الكوخ ولكنها تعثرت لتقع أرضا ويرتطم رأسها بقوة ثم لفها السواد الكامل.
كان فهد عائدا إلى الكوخ..ليرتاح قليلا..فأمامه اليوم عمل كثير وهو ينوى أن يكد ويكد حتى يستطيع إنهاء حرث قطعة الأرض الشمالية قبل مساء هذا اليوم..توقف فى مكانه حين رأى دخانا متصاعدا من الكوخ كاد أن يتجه إلى الإسطبل القريب لإحضار خرطوم المياه والإستنجاد بالجميع هناك لإطفاء هذا الحريق ولكنه لمح هذا الشال الملقى على المقعد خارج الكوخ..ليتعرف عليه على الفور ويدرك أنه الشال الخاص بها..ليرتجف قلبه ړعبا عليها..إنها بالداخل والكوخ ېحترق..ربما أصابها مكروها..ليسرع بإقتحام الكوخ دون تفكير لتقع عينيه عليها على الفور ..مغشيا عليها ومسجاة على الأرض..أسرع يحملها إلى الخارج ..يهرول بها إلى المنزل القريب..حيث إستقبلتهم جليلة بجزع ..صړخ بها أن تحضر العطر بسرعة..ثم نظر إلى وجه جورية الشاحب بجزع يربت بيده على وجنتها وهو يقول بهلع
فوقى ياجورى..فوقى ياحبيبتى..عشان خاطرى فوقى..انا مقدرش أعيش من غيرك.
جاءت جليلة ومعها العطر وجاء معها عزيز الذى راقب ما يحدث بقلب واجف ..لينثر فهد العطر على رسغه ويقربه من أنفها ..ليتجعد انفها قليلا..مشيرا إلى أنها على وشك الإستيقاظ..زفر فهد براحة وعيون جورية البنية تنفلج ببطئ..لتراه وتقول بضعف
فهد.
إبتسم فهد بينما أغروقت عيناه بالدموع قائلا
قلب فهد وعمره كله.
تجمد الجد تماما وأصابت جليلة الدهشة..بينما إتسعت عينا جورية بذهول..وهي تقول
إنت قلت إيه
تأملها بعشق قائلا
قلت اللى خبيته جوة قلبى بقالى سنة بحالها..كنت مستنى أعرف أنا مين..وأصلى إيه..بس الظاهر إنه مش باين إنى هفتكر حاجة..وبصراحة اكتر وبعد إحساسى النهاردة..و إنك كان ممكن تضيعى منى..مش مستعد أضيع ثانية واحدة من غير ما أقولك أد إيه بحبك.
أغروقت عينا جورية بالدموع وهي تقول
أنا كمان بح...
هدر صوت جدها بإسمها يمنعها من الإستطراد فى إعترافها بعشقه..لينتبه فهد إلى وجود جدها..وينهض ببطئ ناظرا إليه فى ترقب..بينما إعتدلت جورى جالسة ناظرة إليه بوجل ليقترب الجد منهما ينقل بصره بين الإثنين بملامح خالية من التعبير..حتى توقف أمامهما تماما..ليقول بهدوء موجها حديثه إلى فهد قائلا
وتفتكر آخرة الحب ده إيه يافهد
قال فهد بثقة
الجواز طبعا..انا بحبها ياجدى..ومستعد أعمل أي حاجة عشان تكون مراتى.
لم يهتز لجدها جفن بينما رقص قلب جورية طربا لسماع كلماته الواثقة العاشقة..ليقول الجد بصرامة مقاطعا أفكارها السعيدة
وهتتجوزها إزاي وإنت مش معاك أي حاجة تثبت إنت مين..أو إسمك إيه
ظهرت الحيرة ممتزجة بالحزن وقلة الحيلة على وجه فهد..بينما إنفطر قلب جورية حزنا وهي تدرك مايؤول إليه حديث جدها فى النهاية..ولكن كلمات فهد التالية أحيت الأمل فى قلبها وهو يقول بكل ثقة
يبقى هنزل مصر وهجيب أوراق تثبت هويتى..مش هرجع غير وأنا معايا الورق اللى هيجمعنى مع جورى.
لينظر إلى جورية وقد رقت نظراته قائلا
وده وعد منى.
إبتسمت برقة..ليعود بنظراته إلى جدها قائلا بقوة
وعد ياجدى.
وبالفعل سافر فهد بعد يومان وبعد وداع رقيق من جورية..ولكنه لم يعد أبدا..ولم يتصل بها حتى ..إنتظرته عاما كاملا..رسمت وجهه فى كل صورة قامت برسمها..وجدته فى كل كلماتها..لم تيأس أبدا من عودته إليها مجددا ..ولكنه لم يعد..لتدرك أن فى الامر خطب ما..ربما تذكر ماضيه ونسيها أو ربما لم يحبها من الاساس..أحست بالحزن ولكنها لم تترك نفسها أسيرة للألم.. بدأت تشغل بالها عن التفكير فيه بكتابة الروايات..لتبعثها إلى دور النشر..وذات يوم جاءها خطاب دار نشر المبدعون يخبرونها بأنهم على إستعداد تام لنشر قصتها إن جاءت إلى القاهرة حيث المكتب الرئيسي للدار..وبالفعل سافرت ..تاركة هذا الوادى اللعېن الذى يذكرها بفهد..وتاركة جدها الذى أبي ان يترك مزرعته ومنزله..لتلتقى بفراس وتنشأ بينهما صداقة قوية.. ومنذ ذلك اليوم وهي تكتب الروايات وتنشرها ..تصمم على جعل بطل غلاف رواياتها فهدها..فهي عندما تكتب الرواية تراه أمامها ..يلهمها بسحره ..بعشقه ..بكيانه القابع بوجدانها..أو ربما يوما ما رأى فهد غلاف رواية لها ليدرك أنه مازال بقلبها يحيا..وقد حدث هذا بالفعل اليوم .....
لقد عاد لحياتها بقوة..پألم ..عاد رجلا متزوجا ولديه إبنة صغيرة..عاد لحياتها ليجبرها ما عرفته عنه أن تخرجه هي من حياتها تلك..من كيانها..من قلبها..من ذكرياتها للأبد..عليها أن تنساه كلية..فهل ستستطيع
الفصل السادس
شريط العمر يمر..كقطار بطئ الخطى محكمة خطواته مدبرة
أرى فيه صورا لى..باهتة..بعيدة قريبة.. مكررة
أحلم ببداية طريقى بأحلام..لأجد فى خاتمة طريقى نهاياتها مقدرة
أحلامى مثلى تائهة.......مغمورة.......مبعثرة
دفنت وواراها الثرى كأناس ماتوا ضحاېا حاډث قطار وانتهوا كخبر فى جريدة..أو أحرف مسطرة
لاندرى فى حياتنا هل أقدارنا بإختيارنا..أم أنها أقدار مسيرة
كانت جورية تجلس فى شرفة منزلها تحتسى قهوتها بهدوء ناظرة إلى هذا النيل الجارى أمامها متأملة هذا المشهد الهادئ والمريح لأعصابها المنهكة من تدفق الذكريات..تنهدت بعمق..لقد أقسمت على النسيان..ولكن كيف تنسى ما حفر فى الفؤاد..كيف تنسى أول حب فى حياتهاهي حقا لا تدرى.
أفاقت من أفكارها على صوت رنين هاتفها لتترك فنجال قهوتها على الطاولة وتتجه إلى داخل الحجرة ..تمسك هاتفها تنظر إلى شاشته قبل أن تجيب قائلة
صباح الخير يافراس.
قال فراس 
صباح النور ياجورى.
أحست جورية بالإضطراب يعترى صوته لتقول بقلق
خير يافراس ..مال صوتك
زفر فراس قائلا
عايزك حالا فى المكتب ياجورى.
عقدت جورية حاجبيها قائلة
بس أنا محتاجة يومين أجازة كمان.
قال فراس بنفاذ صبر
مش هينفع ياجورى..محتاجلك ضرورى.
تنهدت جورية قائلة
طيب يافراس..نص ساعة وهتلاقينى عندك..سلام.
ثم أغلقت الهاتف..وهي تتجه بروتينية إلى دولابها تفتحه وتأخذ أول فستان وقعت عليه عيناها..وتتجه إلى الحمام والأفكار تراودها ..تتساءل ماالذى حدث لفراسولماذا هذا القلق فى صوتهلتهز كتفيها فى حيرة..نصف ساعة وستعلم السبب..لتدعو الله أن يكون خيرا.
نهضت جورية قائلة بعصبية
إنت أكيد بتهزر..إنت عايزنى أروحله برجلية واطلب منه إنه يسيب صوره على أغلفة رواياتىمستحيل طبعا.
قال فراس بهدوء
أقعدى بس وإهدى ..لو سمحتى ياجورى إسمعينى للآخر .
جلست مجددا وهي تنظر إليه عاقدة حاجبيها ليقول مستطردا
أنا راجعت مع محامي الدار وضعنا القانونى والحقيقة الوضع ميبشرش بخير أبدا..اللى عرفته عن اللى إسمه خالد نصار مش قليل..ده حوت السوق..معندوش قلب ومبيرحمش..ولما حد بيقف قصاده بيدمره...
صمت فراس وهو يلاحظ ذلك الألم الذى إرتسم على وجه جورية ..لقد نسي للحظات هنا أن من يتحدث عنه هو محطم قلب تلك الفتاة الرائعة..ليزفر قائلا
أنا آسف ياجورى لو بكلمك فى موضوع حساس بالنسبة لك وبفتح فى چروح قديمة لسة پتنزف..بس الموضوع بجد خطېر وميستحملش التهاون فيه. 
تنهدت جورية قائلة
أنا عارفة الوضع الحرج اللى حطيت الدار فيه لما رسمت أغلفة كتبى وحطيت عليها صورة فهد..قصدى خالد نصار ..بس صدقنى أنا مش هقدر أبدا أنفذ اللى إنت عايزه منى..أنا مقدرش يجمعنى معاه مكان واحد تانى..إنت مش فاهم أنا بحس بإيه وهو قصاد عينى ..عيونه هي هي..صوته هو هو..بس لا دى نظرته ولا دى نبرة صوته..وهو قصاد عينى حنينى لفهد بيقتلنى..ببقى نفسى أترمى فى حضنه وأقوله وحشتنى..بس مبقدرش..إحساسى إنه خلاص مبقاش لية..وبقى لواحدة تانية متجوزها ومخلف منها دمرنى..أنا بجد تعبانة يافراس..مش قادرة أتخيل إن حبيبى فهد اللى عاش ويانا سنة كاملة..حبنى فيها وحبيته ..فهد اللى غاب بعدها سنتين سابنى فيهم للعذاب..يبقى هو خالد نصار المليونير المعروف..مش عارفة إزاي كل ده حصل وليه حصل لية أنا بالذات 
....بس أنا عارفة....
إلتفت كل من جورية وفراس إلى صاحبة الصوت لتطالعهم ليلة بطلتها الرقيقة..تقف فى ثبات تنقل نظرها بينهم بهدوء..لتعقد جورية حاجبيها بحيرة بينما تأمل فراس فاتنته التى أطارت النوم من عيونه منذ أن رآها..ليحمد الله على حسن حظه الذى جعله يراها فى أسبوع واحد مرتين..ليقسم بداخله أن لا يدعها اليوم دون أن يعرف الكثير عنها..نعم..لابد أن يفعل.
إقتربت منها سها تحمل بيدها باقة من الورود الصفراء والتى تكرههم لين وبشدة لتدرك من قبل أن تقرأ هذا الكارت الموضوع بينهم ..من مرسلهم إليها..خاصة وملامح الضيق تبدو على صديقتها سها..وهي تقدمهم إليها قائلة
شوفى خفة الډم على الصبح..الورد ده جايلك وعليه كارت مكتوب عليه كلام سخيف من محمود عزمى.
أخذت لين تلك الورود وألقتها على المكتب بلا مبالاة وهي تسحب الكارت منهم تقرأه بهدوء
من النهاردة مش هتكونى غير لية أنا وبس..بدأ العد التنازلى.
نفس العبارة التى وجدتها على زجاج سيارتها بالأمس..إنه هو..مؤيد..تستطيع أن تشم رائحة عطره التى يفوح بها هذا الكارت..وكلماته السخيفة الغامضة..تتساءل بحنق..ماذا يريد منهاتود من كل قلبها أن يدعها وشأنها..فمنذ أن عاد لحياتها..وحياتها إنقلبت رأسا على عقب..لم تعد أبدا كما كانت....
أفاقت من أفكارها على صوت سها وهي تجلس قائلة بحنق
أنا مش عارفة بس عاجبك فى محمود ده إيه ..ده حتى دمه تقيل وبارد.
قالت لين بهدوء
حتى إنتى ياسها بتقولى زيهم..ما إنتى عارفة إنى قفلت باب قلبى من زمان..ومستحيل هفتحه تانى..صحيح محمود معجب بية وفاتحنى فى موضوع الجواز..بس أنا رفضت..وإحنا دلوقتى أصدقاء.
قالت سها 
أمال ليه باعتلك الورد ده..وإيه الكلام الغريب اللى عليه ..ويعنى إيه بدأ العد التنازلى
زفرت لين وهي تجلس قائلة
اللى باعت الورد ده مش محمود ياسها.
قالت سها بحيرة
أمال مين
نظرت لين إلى عيون سها بثبات قائلة
مؤيد..مؤيد الحسينى.
لتتسع عينا سها .......پصدمة.
اقتربت منهما ليلة لتتوقف أمامهما تماما وهي تقول برقة خلبت لب فراس
أولا أنا حابة أعتذر عن دخولى كدة من غير إذن..بس السكرتيرة مكنتش موجودة برة والباب كان مفتوح وڠصب عنى سمعت كلامكم واللى بيفسرلى حاجات كتير جدا
منيمتنيش من آخر مرة كنت هنا معاكم..فى نفس الأوضة دى.
رغما عنه أحس فراس بخيبة أمل..فقد ود لو أطارت أفكارها حوله النوم من عينيها مثلما فعلت هي معه وليس سبب قلقها هو غموض ما حدث فى تلك المرة الماضية فقط..أفاق من شروده على صوتها الملائكي وهي تقول
ثانيا حابة أوضح حاجات كتير متعرفوهاش عن أخويا خالد .
لتنظر إلى جورية قائلة
وحابة اعرف انا كمان حاجات من الواضح إنها كانت مستخبية عننا لحد ما ظهرتى إنتى ياجورية.
لتصمت لثانية قبل ان تستطرد قائلة
أنا قريت قصتك أقدار الحب..
نظرت إلى الأمام فى شرود قائلة
الحقيقة الرواية فيها عبارات مكتوبة فى الحوار حسيت إن أخويا هو اللى بيقولها فعلا..هو ده كلامه..وفيها أحاسيس إتمنيت لو حس بيها فعلا..أخويا طول عمره
محروم من الحب..والحقيقة مجرد إحساسى إنه عاشه ولو لفترة قصيرة..ريح قلبى ..متعرفيش أد إيه..خالد